كان احتفال التخريج بانتهاء المرحلة الابتدائية اللقاء الاخير بينهما ، ونهاية تلك الطلعات الصباحية الجميلة والعودة المسائية من والى البيت لثماني سنوات كانت سمانا ، وكانت وصية والدتها لذهابها الى الصف الاول في اليوم الاول من افتتاح السنة الدراسية "دير بالك يا عدي يا حبيبي على اختك سعاد". كانت القوة الممغنِطة التي ادّت الى اجتذابهما تساويا في الشكل والمضمون ، واضحيا ثنائيا متميزا تجمعت فيه وتوفرت براءة الطفولة ، والذكاء الخارق ، والرصانة ، والتهذيب والعفة فكانت جميعها الارهاصات التي رسّخت عرى الصداقة البريئة بينهما ووثقت علاقات المودة والمحبة الخالصة .
انفض الاحتفال ليكون بداية عهد الفراق تصافح الطلاب الزملاء والاصدقاء مودعين بعضهم بعضا ، سالت الدموع من المآقي ، واحمرت الوجوه وهم يتفرقون ايدي سبأ، فمنهم من سيسعفه الحظ ليواصل تحصيله الثانوي ومنهم من سيأفل ويستهويه التسكع في الشوارع ومنهم من سيقع فريسة جشع الاستغلال والغبن والقهر .
شد على يدها مودعا فاحمرت وجنتاها وتورّدت اذناها ، واحتبست الدموع رقراقة بين جفنيها وشدت على يده فاستشعرت برجفة في جسده ، طغا عليهما لحظات من الصمت ، احجم فيها اللسان عن الكلام فتكلمت الاحاسيس وخفقت القلوب تفرقوا وطال الفراق ، وطال الغياب وهم ينهلون من مناهل العلم بمرحلتيه الثانوية والجامعية في اماكن مختلفة وبعيدة .
وظلت وصية والدتها "دير بالك يا حبيبي عدي على اختك سعاد" ، ترن في اذنيها وتتناهى الى مسامعها ، وكانت اللازمة التي ترددها وتعود عليها في نهارها وليلها في صحوها وعند منامها غنجت فيها طفلة ، وتدلعت بها صبية وانشدتها شابة .
نُقشت في ذهنها (و"النقش" في الصغر كالنقش في الحجر) .
كبرت سعاد وترعرعت وكبرت احاسيسها وتفتحت ، اضطربت المعايير وانقلبت الموازين وتغيرت الاحاسيس ، وغزتها مشاعر واجتاحتها افكار ، فأضحت حبيسة تلك المشاعر الجياشة التي خلت من كل شبق او جنوح .
تدافعت هذه الاحاسيس وانسابت في عروقها تمور في احشائها ومن تلك الرمضاء(دير بالك يا عدي يا حبيبي على اختك سعاد) انطلقت جذوة استعرت في داخلها عبر السنوات .
طال وهجها شغاف قلبها.
أقلعت الطائرة ، وعلى الطائر الميمون غادر عدي البلاد مهيض الجناح كسيفا ، يعتصر قلبه الوجد والنوى ، احتكم للعقل وليس للعاطفة ، حالت اوضاعه الاقتصادية وطموحاته للعلم من ان يبوح لها بشيء حتى لا يموت ذلك الشيء.
فكان حاضره ومستقبله رهن المجهول.
فآثر الصمت على الكلام والبقاء صَدَفَة مغلقة على ما فيها ملقاة على شاطئ ذلك البحر الزاخر المائج ، وترك الاحاسيس وحدها تسبح دون الولوج الى مهاوي الغرق ، يعجز قارب النجاة من انتشالها.
عادت سعاد ودخلت البيت فرحة مرحة تحمل في حقيبتها شهادة التخرج من الجامعة مع انجاز كل المؤهلات ، والكفاءات الضرورية لمزاولة مهنة التدريس ، وقد حققت بعضا من طموحاتها ، (واول الغيث قطر) بما اكتنفها من عناء و فجوات ، في حين وقفت والدتها في فناء البيت وقد توشحت بجلباب رمادي اللون وعلى رأسها خمار اسود ، ومن تحته عصبة بيضاء سترت شعرها ، وجبينها ، فاندفعت واحتضنتها وعانقتها عناقا حارا وطبعت على جبينها قبلات حميمة ، واطلقت زغرودة خفيفة هادئة ابتهاجا وغبطة وهي تتمنى لها النجاح في حياتها الجديدة والتوفيق وعقبى للفرحة الكبرى بايجاد ابن الحلال الطيب والملائم.
دخلت سعاد غرفتها واستلقت على سريرها يغمرها شعور بالتوتر والهم والغم سمّرت عينيها نحو سقف الغرفة وغاصت بالتفكير وسرح خيالها واطلقت له العنان ، وراح يجوب ربوع الماضي يقطع مسافاته ويجول في مساحات الحاضر يستشف المستقبل ، وتسلل الى دهاليز ذاكرتها ، فنبشتها فراحت تتدفق وتنساب في شريط لولبي يدور ويلتف في ذهنها يحمل صورا وابتسامات ، ، مرّ امام عينيها صورة من يوم تخرجها من الابتدائية ، وهي تصافح زميلها عدي ، والدموع تحتبس في مقلتيها ثم غشت عينيها تلك الصورة القاتمة عندما انقض عليها جدها حال رجوعها من الاحتفال ببهجتها وبهائها ليرغمها بافكاره الاصولية المتشددة على ارتداء الجلباب والحجاب لستر عورتها ، ضفيرتها الشقراء الذهبية التي تلوح على منكبيها مما حملها على الهرب مستجيرة بالجيران.
عادت بها الذاكرة الى الحاضر فتخيلت نفسها مدرسة تقف امام الطلاب بين زميلاتها المربيات والمدرسات.
كبحت جماح خيالها ونهضت من على سريرها الخشبي ووقفت امام المرآة وهي ترتدي قميصا احمر اللون وبنطالا اسود تسرّح شعرها الاصهب ، بجسمها النحيف وخاصرتيها الرقيقتين ، وردفيها الممتلئين وطولها المتوسط ونهديها الكاعبين ، وعينيها الواسعتين البنيتين اللوزيتين ووجهها الاشقر المستدير بوشمة سوداء على احدى وجنتيها ، وانفها الدقيق وشفتيها الخمريتين الثخينتين ومن ثغرها اللطيف كانت تتلألأ اسنانها كحبات اللؤلؤ .
إستذكرت في تلك اللحظات وهي تشاهد نفسها بالمرآة قصة تعلمتها اثناء دراستها عن ذلك الرسام العبقري فان غوخ الذي جُن من فرط ذكائه .
فوقف ذات يوم امام المرآة يشاهد نفسه فقطع اذنه ليهديها لحبيبته ، فضحكت في داخلها لهول التضحية وعقّبت قائلة لنفسها : اما انا فلست بعبقرية ولست بمجنونة .
هبت الرياح بما لا تشتهي سفينة سعاد التي كان يحدوها الامل وغمرتها الاحلام بنيل وظيفة التدريس في مطلع تلك السنة الدراسية التي عادت فيها الى القرية بعد ان تقدمت بشهاداتها لوزارة المعارف وظل حلمها يتأرجح زمنا بين الرفض تارة بذريعة نشاطها السياسي في لجنة الطلاب العرب وبين المراوغة والابتزاز السياسي والوعود العرقوبية من قبل المسؤول عن التوظيفات في الدائرة العربية .
إحتارت والدتها في امرها و رفضها المتكرر لكل من تقدم بطلب يدها من والديها وتبرّمت من تعنتها تارة باسلوب المماطلة وتارة بذريعة المستوى الثقافي والفكري والجيل فقد اقلق والدتها خطر العنوسة في حين كانت قد اضاءت الشمعة الخامسة والعشرين في عيد ميلادها الاخير فتراكمت الوساوس في داخلها وتزاحمت الهواجس ، فلجأت الى المشعوذين لتستجلي كنه ومصير ابنتها .
وذات يوم تساءلت سعاد في نفسها اليس من الحماقة والسذاجة والغباء التشبث بالمجهول؟
وقد يكون تشبثي هراء ووهما وسرابا .فانبعث من داخلها صوت يجلجل يقول لها لا.
وذات يوم هبطت الطائرة . دخل عدي البيت يحمل في جعبته شهادة الطب حصيلة دراسة ومعاناة سبع سنوات كانت عجافا ، تضوّر فيها ولها وولعا.
وكان قد اضاء سبعا وعشرين شمعة في عيد ميلاده ، ساقته الصدف في احد الايام ان يقوم بزيارة لزميل الطفولة بعد غياب طال اثنتي عشرة سنة في حين كانت سعاد تزور صديقتها زوجة صديق عدي فتساءل والارتباك يغمر وجهه ورجفات خفيفة تنبعث من جسده.
تساءل تساؤل عارف : ألست سعاد؟
فأجابت بتهكم : شُبه لك.
ثم اندفعا وتعانقا عناقا حارا جلسا وتجاذبا اطراف الحديث وساءلها عن حياتها الاجتماعية والحياتية فردت التساؤل بتساؤل فاحمرت وجنتاه فقال : اقلعت بي الطائرة وكنت جسدا بلا قلب تركته حبيسا في بوتقة مقفلة يتلوع بأسى ويتلوى بحسرة.
كان بودّي ان اهاتفك يوما وان ابوح لك بحبي الدفين ، وجرحي العميق ، خانتني الشجاعة ، واستسلمت بما يخبئه القدر ويأتي به الحظ.
كنت حريصا على سعادتك حتى وان جاء يوم افتقدتك فيه .
فقطعت عهدا ان اظل عزبا لزبا في حين عجت من حولي الكواعب وغصت بالجميلات الحسناوات وبما انني كنت هناك بلا قلب نجوت من ان تخترقه احداهن.
فابتسمت ابتسامتها العريضة الساحرة ثم نفثت تنهيدة من الاعماق ، خفق قلبها بنبضات متسارعة وسحت الدموع من مآقيها غزيرة ساخنة فاخضلّ وجهها.
توقفت عن البكاء وقالت : ليس حال قلبي افضل من حال قلبك فهما سيان.
فكان لكل منا حكاية عايشها بولع ووله وتلوّع ، عندها تدخل الصديق وكان (وقطعت جهيزة قول كل خطيب) فقال: لديّ البلسم الشافي لجراحكما لنختزل الكلام ولنجعل من السراب ماء رقراقا ومن الهراء حقيقة فمالكما الا الاستجابة لصرخات قلبيكما وحنينهما ، فحققا ذلك الحلم الذي طالما انتظرتماه.وهكذا كان.
