إذا تعارضت الأيديولوجيا مع الوطنية، فإن الوطني يختار فلسطين

single

كانت رسائل أبو منيف إلى صدام حلاً بلاغيًا ووجوديًا من جانب شخص يكابر حتى عندما يرثي أحلامًا مجهضة

كان وطنيًا خالصًا ومخلصًا، وبالقدر نفسه كان عروبيًا خالصًا ومخلصًا، كما كان مناضلاً من مناضلي الجيل الأوّل، الذي وضع اللبنات الأولى في صرح منظمة التحرير، وأسهم بمؤهلاته الإدارية والفكرية وثقافته الواسعة، في إثراء الثقافة الفلسطينية، وتعزيز بعدها العربي، ودلالتها الإنسانية

 
يستحق عبد الله حوراني "أبو منيف" كلمة رثاء ووداع. هذا حق الراحل على الحي المقيم، وواجب الحي المقيم إزاء الراحل، خاصة إذا نشأت بين الاثنين صلة من نوع ما. وقد نشأت بيني وبين أبي منيف أكثر من صلة.
كان أستاذي بالمعنى الحرفي للكلمة، فقد تعلّمت في مدرسة كان عبد الله حوراني مديرها، وكان صديقًا للعائلة، فقد كان صديقًا لوالدي، وأخيرًا عملت معه في دائرة الثقافة على مدار عدد من السنوات.
وينبغي في هذا المقام الاعتراف بأن الصلة المثلثة الأضلاع شابها نوع من التوتر في السنوات الأخيرة، مصدره اختلاف في المواقف والسياسة. في المرّات القليلة التي التقينا فيها لمحت ما يشبه العتب في عينيه. كان مترفعًا إلى حد يجعل من العتاب رياضة اجتماعية فائضة عن الحاجة.
بيد أن الاختلاف والخلاف في السياسة لم يقلل من تقديري لشخصية أبي منيف، ولا من احترامي لما في حياته من انسجام بين قناعات أيديولوجية شب وشاب عليها، ومواقف حاول قدر المستطاع أن تكون أمينة معها، ووفية لها.
كان بعثيًا. ولم تكن أيديولوجيا البعث بشقيها السوري والعراقي مقنعة في نظري. فقد نشأت في بيئة مختلفة: بيئة الوطنية الفلسطينية، كما تبلورت في مطلع السبعينيات، وفي القلب منها نفور يكاد يكون عضويًا من الانخراط في دعوة أيديولوجية تدين بالولاء لهذا النظام العربي أو ذاك. وقد شاءت الظروف أن أقضي فترات من حياتي في سورية والعراق، أي في بلدين حكمهما البعث، ولم تكن النتيجة إيجابية في جميع الأحوال.
بيد أن الولاء الأيديولوجي، والسياسي في فترات معيّنة، لم ينف حقيقة أن أبا منيف كان وطنيًا فلسطينيًا من ذلك الجيل، الذي انخرط في العمل السياسي في العقد الأوّل، بعد النكبة، وقد كانت الوطنية ملاذه الأخير، إذا نشأ تناقض بين الولاء والعصبية. وهذا ما كان.
تقلّد في سورية مناصب رسمية رفيعة، لكن احتدام التناقض بين منظمة التحرير الفلسطينية، وحكّام دمشق وضعه على مفترق طرق بالمعنى الأخلاقي والسياسي، ولم يجد عندما انحاز إلى منظمة التحرير صعوبة في ترتيب الأولويات، أو المقارنة بين الخيارات.
وبالقدر نفسه، عندما استقال من عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، احتجاجًا على اتفاق أوسلو، لم يلجأ إلى حل مريح، أي البقاء في الخارج، وإشهار سيف المعارضة، بل اختار العودة إلى فلسطين، حتى في ظل الاتفاقيات التي رفضها، لأن في العودة ما هو أكبر، بالمعنى النفسي والوجودي والأخلاقي والسياسي، من البقاء في المنفى، وممارسة الرفض بالريموت كونترول.
كان من الواضح، خاصة في السنوات الأخيرة، لكثير ممن ينتمون إلى ذلك الجيل، أنهم يشهدون نهاية أحلامهم بطريقة مروّعة. ربطته بصدام حسين علاقة شخصية، وكان صديقًا لطارق عزيز، وقد شهد نهاية الأوّل، ورأى الثاني خلف القضبان. كتب بعد إلقاء القبض على صدّام حسين سلسلة رسائل بعنوان "رسائل حب إلى صدّام حسين".
كان صدّام حسين في نظري ولا يزال، نموذجًا للطاغية الذي ألحق الدمار ببلاده، وارتكب ما لا يحصى من الفظائع. ومع ذلك، شعرت بالتعاطف مع أبي منيف عندما قرأت رسائله إلى صدام حسين، كانت الرسائل حلاً بلاغيًا ووجوديًا من جانب شخص يكابر حتى عندما يرثي أحلامًا مجهضة، ويشهد نهايات مفزعة.
لذلك، في المرّات القليلة التي التقينا فيها كنت ألمح في عينيه رغبة في الكلام عمّا كتبته عن صدّام حسين قبل وبعد انهيار نظامه. قبل سنوات في ندوة عُقدت في القاهرة، وجدت نفسي مرغمًا على الرد عليه، ونلت منه أكثر من نظرة عتاب. وأعترف بأنني أذكر هذه الحادثة بقدر من الخجل. ومصدر الخجل ليس الاختلاف في السياسة والمواقف، فهذا أمر طبيعي وضروري، بل شخصية أبي منيف الإيجابية، الودودة، والمتسامحة.
وقد كانت تلك الشخصية جزءًا من مؤهلاته الإدارية، أيضًا. فقد تمكّن على مدار سنوات من تحويل دائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية إلى مؤسسة تمتاز بالكفاءة، وسلاسة الأداء، وبالقدرة على جذب واستثمار مواهب الفنانين والمثقفين الفلسطينيين والعرب. وعلى الرغم من قناعاته الأيديولوجية، فإن الدائرة لم تكن منصة لتعميم أو ترويج تلك القناعات، وهذا يحسب له لا عليه.
لا يمكن، بالتأكيد، اختزال شخصية أبي منيف في كلمات قليلة، ومع ذلك إذا شئنا الكلام عنه فلنقل: كان وطنيًا خالصًا ومخلصًا، وبالقدر نفسه كان عروبيًا خالصًا ومخلصًا، كما كان مناضلاً من مناضلي الجيل الأوّل، الذي وضع اللبنات الأولى في صرح منظمة التحرير، وأسهم بمؤهلاته الإدارية والفكرية وثقافته الواسعة، في إثراء الثقافة الفلسطينية، وتعزيز بعدها العربي، ودلالتها الإنسانية.
لكل هذه الأسباب، يمثل رحيل عبد الله حوراني خسارة ليس لذويه ومحبيه وتلامذته فحسب، وهم كثر، بل وللفلسطينيين والعرب، أيضًا. ولكل هذه الأسباب، أيضًا، فإن الدرس الذي يُستمد من سيرة شخص كأبي منيف يُختزل في جملة واحدة: إذا تعارضت الأيديولوجيا مع الوطنية، فإن الوطني يختار فلسطين.
وفي هذا عبرة لأولي الألباب.


* كاتب فلسطيني (رام الله)

قد يهمّكم أيضا..
featured

بئر النضال والكفاح التي لا تنضب

featured

شهيدة فلسطين بامتياز وايقونتها الغالية

featured

قانون يسلب المواطنة - شهادات (2): أليس لهذا التية والتشريد... من آخر؟!

featured

حين يحذّر الجنرالات من الفاشية!

featured

عالم استعماري مخادع ، وإرادة مفقودة ...!!!

featured

13 قبلة في ساحة الانتصار

featured

بلدياتنا ومجالسنا المحلية العربية: سلاحف انقلبت على ظهورها!