إن الانخراط في درب النضال والكفاح السياسي والطبقي المبدئي، في سبيل الدفاع عن حقوق المظلومين يحتاج إلى الشجاعة والمساحة الواسعة والراسخة من الفكر المتنور والوعي القادر على اتخاذ خطوات ملموسة في مجابهة قوة الاستغلال والظلم والاضطهاد من الرأسماليين وأتباعهم، وبما ان الوعي بطبيعة الحال، ما هو الا انعكاس للحالة المادية الاجتماعية الطبقية السائدة في المجتمع، وهي من إفرازات السياسة القائمة على أساس تنوع المصالح الطبقية للمجتمع القائم على الظلم والاضطهاد والاستغلال والحرب والاحتلال.
أن يتواجد الإنسان وينمو في أسرة أو محيط أو بيئة ذات خلفية مطالبة مقاومة وواعية، أمر في غاية الأهمية، ويترتب عليه بناء أسس وخطوات جماعية في دراسة المرحلة الواجب اتباعها في مرحلة الشروع في الخطوات النضالية وبناء مواقف سياسية من الأحداث الجارية التي لا تنسجم مع المحيط والمجتمع الذي يكون فيه الظلم والكبت والاستغلال سيد الموقف، وبما ان المجتمع الذي نحيا ونعيش فيه منقسم إلى أكثرية تعمل بجهد وتعب في بناء المجتمع ولا تستحوذ على شيء من خيرات هذا المجتمع، سوى قوة عملها المجبولة بالعرق والظلم الطبقي والاضطهاد السياسي والقومي، وقسم آخر وهو الأقلية التي لا تتخطى الـ15% من المجتمع وتتحكم وتسيطر على مجمل الإنتاج والخيرات والأرباح والأسواق. يعني ان الأكثرية الساحقة من الشعب تعمل كي تعيش تلك الأقلية التي أخذت بالسلب والنهب والاستغلال كل مفاتيح الحياة والتطور والازدهار في المجتمع، وتدير ظهرها للأكثرية الساحقة من الشعب ولنضالهم وكفاحهم من احل الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية.
في يوم من الأيام ومع وصول العاصفة التشرينية التي هبت على بلادنا في الفترة الأخيرة، وانكماش الحياة من شدة البرودة التي لم تعتد جماهيرنا الكادحة عليها، وإذ بزميل لي يقول، ان الحياة أصبحت مُرة لا تطاق، وان طعمها ومذاقها يخلو من الحلاوة والقيمة لدرجة أننا أصبحنا ننهض من فراشنا وغرف نومنا ذاهبين إلى أشغالنا وأعمالنا، ثم نعود أدراجنا والخوف والجوع يهددنا، فالمجهول يتربص بنا ولأولادنا في معظم زوايا حياتنا اليومية، تزداد الطلبات الاجتماعية مع المعيشة والحياة، مع ازدياد وتيرة الكبت والحرمان والاستغلال لحكومة مصاصي دم الناس الغلابى. وأصبح الفقر يخيم ويلقي بظلاله على نمط حياتنا، ويطرق أبواب بيوتنا ويتنقل بين جوارير خزائننا حاملا مفاتيح خصوصيتنا، انه يرافقنا كالظل يحدد ويحد من تحركاتنا الاجتماعية ويحجب عنا نور الشمس ويسرق منا الضحكة والابتسامة، ينخر في جسمنا حتى يؤلمنا ثم يصحينا ثانية للوصول إلى مبادئنا ووعينا وتفكيرنا ينجح أحيانا وأخرى يفشل.
يضيف زميلي بعد ان هزه التفكير لدرجة البؤس والخوف على مستقبل أولاده، إذ أصبح في شبه المؤكد، ان غول البطالة والفقر والحرمان يزحف إليه بمقدار سرعة السلحفاة في طريق ممهدة لا احد يعترض طريقها، ويضيف إذا كان وضعنا تحت خط الفقر الذي رسمته مؤسسة التأمين الوطني وحكومة "الأوباش الأنذال الرأسمالية" ونحن نعيش بأقل من الحد الأدنى بكثير للمعيشة الطبيعية والعادية، ونجاهد جهادًا جماعيًا ونضغط على أمعائنا الخاوية فوق طاقتها، كي نوفر من كميات الطعام ونوعيته وفي مصروف الطاقة والخدمات والغاز والملبوسات الجديدة وحملة التنزيلات على أسعار الملابس لا نعرفها، إذ أصبحنا نبحث في دواليب ملابسنا عن ما يستر عورتنا، كي لا ننفضح أمام زائرينا وزوارنا الذين هم ليسوا بأفضل حال منا.
وفجأة يهز زميلي رأسه ايذانا بان خياله وتفكيره اكتشف مأساة جديدة تزيد على مجموعة مآسيه الاجتماعية والمعيشية والوطنية ليقول، ان كل حلمي وطلبي في هذه الحياة ان أرى ولدي البكر معتز مهندسًا، لان المجتمع الذي لا يرحم مواطنيه في معيشتهم اليومية يحتاج إلى هندسة جديدة وإعادة اعتبار للعمال الكادحين وعائلاتهم المهمشة، وولدي معتز شاب جدي وطموح وناجح في دراسته وقد أسميته بهذا الاسم كي أجذر اعتزازي وافتخاري بطريقي السياسي وانتمائي الحزبي وبصمة كفاحي ونضالي المثابر. واليوم خوفي من ان يذهب نضالي وتضحياتي سدى في مهب الريح، بعد ان تكاثرت وتعددت في هذا الزمن المنحوس دكاكين الوطنية وجمعيات الدعم وشعارات الوطنجية وتجار الحركات والتيارات الدينية وفلاسفة القومية، وبالتالي فقدان القدرة ان اعلم ابني معتز والحيلولة دون دخوله الجامعة نتيجة ان العين بصيرة واليد قصيرة وان الفقر والعوز يلقيان بظلالهما على أمثالي وهم كثر في هذا المجتمع الذي لا يرحم.
ويستطرد قائلا بعد موجة تفكير عميقة، المشكلة ليس في تعليم معتز فقط، إنما مع بقية اخوته، رشا فتاة موهوبة بالفن والموسيقى والغناء، تتنقل في زوايا البيت وهي تغرد وتشدو كما يحلو لها، تضفي طابعا ورونقا حلوًا بهيجًا مليئًا بالسعادة والعذوبة لدرجة ان أحيان كثيرة تنسينا مشاكلنا الشخصية والمعيشية زارعةً الابتسامة والأمل في نفوسنا وعلى وجوهنا. أما يزيد الذي لم يتجاوز العشر سنوات بعد والذي أصبح غفلة يسبق سنه، فهو يركز جُل اهتماماته بالتكنولوجيا والحاسوب والايفون كي يصبح في المستقبل المنظور صاحب اكبر الشركات لبيع وتسويق المعدات والبرامج وكل وسائل التكنولوجيا الحديثة، في الوقت الذي لم تدخل هذه المعدات والوسائل بيتنا بعد بسبب بسيط وهو اننا لا نستطيع شراءها واقتناءها في الوقت الذي ما زلنا نكافح سياسية الفقر والحرمان التي دفعتنا إليها هذه الحكومة المعادية لنا ولأمثالنا في هذه الدنيا.
ويضيف أبو المعتز بعد ان وقف شامخًا على مدى طوله، لن ادعهم ينالون مني وعائلتي وأولادي. هذه الحكومة يجب ان تسقط اليوم قبل الغد. من المؤكد في هذا المجتمع الواسع، هناك الآلاف المؤلفة من هم في نفس حالتي وضائقتي، علينا نحن الفقراء والمضطهدين ان نتكاتف ونتعاضد وان نشبك أيدينا مع بعضها البعض لنشكل نموذجا للوحدة الطبقية ولنرفع شعار ماركس ونخلّده بيننا وفي ممارستنا للنضال: يا عمال ويا فقراء البلاد اتحدوا لمواجهة حكومة الحرب والاحتلال والاستيطان. ويجب علينا تشديد النضال والكفاح من اجل تلبية مطالبنا وحقوقنا اليومية الأموال للبناء والتطور والازدهار ولإيجاد أماكن عمل والتعليم، وليس لبناء المستوطنات وشراء وتكديس الأسلحة.
ممنوع التقاعس واللامبالاة والغمغمة مع الظلم والاضطهاد، ويجب تشديد الكفاح والعمل على ضم فئات جديدة إلى دائرة الصراع، فالرأسمالية المتوحشة أثناء دورانها وتطورها، تسقط تحت عجلاتها الكثير من الفئات والطبقات والأفراد والمجموعات كي تصل إلى مرحلة المتوحش في السلب والنهب والقتل وسفك الدم الأحمر الغالي. ولهذا فان راية النضال والكفاح هي راية ودعوة للمواجهة في سبيل الحق والكرامة والعيش الكريم. فلا ترحموا مضطهديكم وجزاريكم ولو للحظة.
(كويكات / أبوسنان)
