كلمات.. كلمات

single

يستطيع أبو مازن أن يستثمر مواقف اليسار الفلسطيني من أجل التصدي للضغوط الأمريكية وعدم التخلي عن الثوابت

 هنالك توجهان لتقييم الكلام، أي "الحكي". التوجه الأول صارم ويحمّل الكلمات معان بالغة التأثير، وقالت العرب "لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك"، وفي العبرية يُقال" حياة وموت بيد اللسان". والتوجه الثاني هو التوجه المستخف بالكلمة، وهذا هو التوجه السائد، كلمات كبيرة بدون معنى؛ يقول المصريون: "أهو كلو كلام بكلام"، نحن نقول "كلو حكي فاضي"، أو "كلو حكي"، بمعنى "كلو فاضي".. وهكذا.. فكلما ارتفع لهيب الكلمات في الخطاب انخفض وزنها النوعي. وهنالك من ينام على وقع الخطابات الرنانة، لرتابتها بالرغم من علو صوتها، فإذا صمت المتكلم استفاق الناس، ليعودوا يغطون في نومهم بعد أن يواصل خطابه.  
وفي جعبتنا كلمات وجمل أصبحنا نؤرخ بها أحزاننا؛ من هتاف "يسقط واحد من فوق"، حينما أراد من أراد التنديد بوعد بلفور، فهتف: "يسقط وعد بلفور" فأصبح الهتاف في آخر المسيرة: "فليسقط واحد من فوق". وأرفق أحد الخطباء هذا الهتاف بتمزيق "الوعد"، وكفى الله المؤمنين شر القتال.. وفيما بعد كان الشعار، "لا صوت يعلو صوت الانتفاضة"، فحل صمت رهيب، سكتت الانتفاضة وسكتت الأصوات الأخرى ليرتفع صوت واحد هو صوت من حولوا الانتفاضة إلى مسرح دموي للصراعات الداخلية.
اليوم يرفعون أصواتهم ضد ابو مازن، بأن مرجعية الانتفاضة يجب أن تكون المقاومة الشعبية. ما هو المقصود بذلك؟ فما نعرفه في كل العالم، وفي فلسطين، هو أنه يوجد برلمان، أي مجلس منتخبي الشعب وأنه يوجد رئيس منتخب، وهذه القيادة مخولة باتخاذ القرارات في جميع المجالات. وفي موضوع  مفصلي، مثل اتفاق سلام، فقد أعلنت القيادة الفلسطينية، أنها ستطرح الاتفاق لاستفتاء شعبي، بحيث يكون القرار قرار الشعب مباشرة، مع أنه من الناحية الدستورية هي قادرة أن تبت بذلك.
هذه الاصطلاحات، بشأن مرجعية المفاوضات، هي في أحسن الأحوال تعني الدخول في متاهة "طاسة وضايعة"، فمن هي "المقاومة الشعبية" ومن هي مؤسساتها؟  وفي أسوأ الأحوال فذلك يعني المس بالشرعية الفلسطينية بقيادة أبو مازن وفياض، وبالتالي الالتقاء مع الادعاء الإسرائيلي أن الفلسطينيين، لا يستطيعون إدارة شؤونهم بأنفسهم، وأنهم في حالة مستمرة من حلة الحكم.. والدليل أن كل فصيل يريد أن يكون هو المرجعية.
رهان أعداء الشعب الفلسطيني الآن هو على ضرب هيبة السلطة الوطنية، وخاصة أن هذه السلطة استطاعت خلال السنوات الماضية أن تحقق الأمر الأساسي في أي سلطة، وهو سيادة القانون والقدرة على تطبيقه، ففي نهاية الأمر لا يبني الشعب دولته فقط لمواجهة عدو خارجي، بل يبني دولته من أجل نفسه، لتنظيم حياته الداخلية؛ لبناء مؤسساته الإدارية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والبنكية والصناعية وغير ذلك، وبعد ذلك يصبح قيام الدولة تحصيل حاصل. هكذا أقام اليهود دولتهم؛ بنوا الجامعة العبرية وبنوا تنظيمات عمالية وصندوق مرضى وبنك ومؤسسات زراعية ومؤسسات للبناء ومخابرات وجيش وغير ذلك، وبعد أن جهزوا كل شيء لم يبق أمامهم سوى إعلان دولة.. وعن ذلك ذكر احد القادة الفلسطينيين (يمكن مراجعة كتاب عبد المجيد حمدان "إطلالة على القضية الفلسطينية")، بما معناه، أن اليهود بنوا كل شيء ولم يبق سوى إعلان قيام الدولة أما العرب فلم يبنوا أي شيء وسارعوا لإعلان قيام الدولة.
واجب القيادة الفلسطينية، قبل أن يكون حقها، أن تخوض معركة سياسية دبلوماسية لإحقاق الحقوق. واجبها أن تتفاعل مع المجتمع الدولي. ويتطلب ذلك القدرة على الحفاظ على التوازن بين العملية الدبلوماسية وبين الحفاظ على مصالح الناس وبين الحفاظ على الثوابت الفلسطينية. وهذا الأمر ليس سهلا. 
لا يمكن لنا أن نطلب من القيادة الفلسطينية أن تكون متفاعلة مع العالم، وهي تفعل ذلك بشكل مثير للإعجاب، وفي الوقت نفسه، وأمام كل تحرك فلسطيني وأمام كل إيماءة فلسطينية، ترتفع سيوف التخوين.
ولكن.. ولكن هذه  كبيرة جدًا، فهذا التحرك الفلسطيني لا يعني تغييب الدور الجماهيري الضاغط باتجاه تعزيز موقف أبو مازن في المفاوضات. وهنا يأتي دور اليسار الفلسطيني، فكما أن نتنياهو يستثمر بنجاح موقف اليمين الفاشي، للقول لأوباما أن حكومته في خطر، كذلك يستطيع أبو مازن (مع الفرق  الجوهري في الحالتين) أن يستثمر مواقف اليسار الفلسطيني، من أجل التصدي للضغوط الأمريكية، بأنه لا يستطيع التخلي عن الثوابت لأن الشارع الفلسطيني لن يسمح بذلك. ومن هنا فقرار قوى الأمن الفلسطينية، غير المفهوم، بحظر المظاهرات الرافضة للمفاوضات المباشرة، لا يقوي موقف أبو مازن بل يضعفه، في مواجهة ضغوطات أوباما وألاعيب نتنياهو.
المجتمع الفلسطيني مجتمع حي وواع ومن خلال التناغم بين المعارضة الشرعية والقيادة الشرعية، بالإمكان التقدم في القضية الوطنية.     

قد يهمّكم أيضا..
featured

"قانون إيمان" اليمين

featured

رسالة إلى رئيس الدولة

featured

هكذا أحيا السامريون رأس سنتهم

featured

تطهير عرقي بطيء

featured

هبّوا ضحايا الاضطهاد

featured

شهداء الجولان السوري

featured

إنتهاء مرحلة وبداية مرحلة جديدة

featured

المصالحة فعلاً وقولاً!