اكثر من دلالة ومعنى يحمله القرار الاسرائيلي بضم ملكية 1500 دونما في شمال الضفة الغربية سواء من حيث التوقيت او الانعكاسات السياسية، وهي خطوة بكل الاحوال سيكون لها تداعيات كبيرة وخطيرة على مستقبل الضفة الغربية التفاوضي او الواقع المعاش فيها بصفتها المعروفة حتى الان (كأراضي محتلة).
فمعلوم ان حكومات الاحتلال المتعاقبة اصدرت مئات المرات وربما اكثر قرارات لمصادرة الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية لصالح البناء والتوسع الاستيطاني، او لاستخدامات اخرى عسكرية او غير عسكرية رافضة بذلك الاعتراف بالصفة القانونية لقوة القانون الدولي باعتبار هذه الاراضي "محتلة" ولطالما كان موضوع الاستيطان حجر الزاوية واحد اهم الركائز للحركة الصهونية لتغير طبيعة الارض ومعالمها العربية، وايضا لتحقيق التفوق الديمغرافي وهو ما نلمسه باوضح الصور في مدينة القدس المحتلة على وجه التحديد وازدادت وتيرة العمل به في السنوات القليلة الماضية ايضا.
وحتى خلال سنوات المفاوضات التي استغلت اسرائيليا باتجاه المزيد من التوسع الاستيطاني كانت اسرائيل تسابق الزمن لوضع "علامات " من شانها ان تجعل من امكانية تطبيق حل "الدولتين " على الارض امر غاية في الصعوبة ان لم يكن مستحيلا.
وامام ذلك كله فان القرار الاخير بضم اراضي شمال جنين بالضفة الغربية لصالح كيبوتس "ميراف" في منطقة الجلبوع، هذا القرار بوصفه امتداد لنفس السياسات السابقة المتواصلة في معظم الاراضي الفلسطينية التي تنطبق عليها تعريفات اتفاقات جنيف، ليس عاديا بكل الاحوال ولا يمكن للطرف الفلسطيني ان يمر عليه، والاكتفاء بتصريحات الادانة والاستنكار، فالقرار ينطوي على خطورة بالغة من النواحي السياسية والوطنية والقانونية فهو برأيي يشكل سابقة خطيرة ليس فقط في رسم معالم الحدود المستقبلية للدولة الفلسطينية العتيدة بالرؤية الاسرائيلية ووفق مصالحها الامنية، وانما يمثل في ذات السياق خطوات من جانب واحد تقوم بها حكومة اليمين الاسرائيلي نتينياهو – ليبرمان استمرار لخطة الانطواء لرئيس وزراء اسرائيل السابق شارون التي ادت الى الانسحاب من قطاع غزة "خطة الاخلاء " قبل عدة سنوات وان كانت اقل اهمية من الناحية السياسية والمعنى الفعلي لهذه الخطوة، ولكنها تحاكي بروفا فعلية لقياس ردة الفعل الفلسطينية لترسيم مستقبلي لمسالة هامة كانت مدار حديث طوال السنوات القليلة الماضية تثار تارة وتقل اخرى وهي "تبادل الاراضي" وتم بحثها على طاولة المفاوضات باعتبارها قضية للنقاش وتم رفضها فلسطينيا في حينه.
القرار الذي يعتبر الاول من نوعه كما تناقلته وسائل الاعلام منذ العام 1967 يكرس حقيقة باعتبارها ثابتا من الثوابت في العقل الاسرائيلي لا يخضع لتغير وتبدل الحكومات فيها وهو ان اسرائيل تفعل ما تشاء وليست مكترثة بالقانون الدولي، القرار ايضا سيتبعه بأعتقادي قرارات اخرى مشابهه في مناطق اخرى قريبة او متاخمة لمنطقة الخط الاخضر، والجدار العنصري سواء بتبريرات او لدواعي " امنية " كما تسوقها غالبا حكومات اسرائيل في عملية الاستيلاء على الاراضي الفلسطينية، او لاسباب اخرى وهي بكل الاحوال تعمل بكل الامكانات لمواصلة وتوسيع البناء الاستيطاني فوق الارض الفلسطينية، رغم مطالبات العالم كله تقريبا بوقف هذه الانشطة الاستيطانية، هذا يشير بوضوح الى مسالة في غاية الاهمية وهي ان مستقبل الضفة الغربية بما فيه القدس اصبح لا يخضع للمفاوضات حتى لو استئونفت ثنائيا برعاية امريكية حسب الفهم الاسرائيلي، وانما مستقبل الضفة وفق الاجندة الاسرائيلية يخضع للوقائع على الارض باعتبارها مناطق ( متنازع عليها ).
منذ الان لن يعود بالامكان الحديث عن خط فاصل حتى لو وهميا اسمه الخط الاخضر، والمنطقة المستهدفة قرب بردلة هي حسب الناطق باسم جيش الاحتلال "يهودا والسامرة" هذا يشير بوضوح الى ان مايجري ليس مجرد ضم لاراضي بل هو مخطط ممنهج يمعن الاحتلال من خلاله في فرض اجراءات للحيلولة دون قيام دولة فلسطينية في المستقبل، ويكرس من جانب واحد على الارض تبادل الاراضي في الممارسة وليس كشعار وفق رؤيته ومشاريعه واهدافه.
الخطوة مثيرة للقلق وجد خطيره لما ستؤول اليه الاوضاع تترافق مع ما يجري تنفيذه من عشرات المخططات والعطاءات في القدس وارجاء الضفة الفلسطينية، وفي وقت اسرائيل المسكونة بهاجس دوامة الامن تعيش نذر الحرب القادمة وتدق طبولها ربما مع ايران او في مكان اخر اكثر قربا، وايضا بعد اتضاح الصورة نوعا ما فيما يتعلق بخطوة الذهاب للامم المتحدة لنيل العضوية، واستمرار التمسك الفلسطيني الداعي لوقف الاستيطان قبل العودة للمفاوضات، وكأن لسان حال حكومة اسرائيل يقول سواء بالمفاوضات او اللامفاوضات ستواصل الاجراءات الاستيطانية وتتكثف و تزداد.
هذا يتطلب اكثر من ارسال المذكرات للمؤسسات الدولية الحقوقية، وأكثر من بيانات الشجب، تحتاج الى خطوة مماثلة وموازية سياسيا من قبل منظمة التحرير والسلطة والفصائل الفلسطينية والقوى المجتمعية والشعبية، ينبغي ايضا بشكل جدي التفكير بتعليق ووقف الالتزامات الفلسطينية تجاه دولة الاحتلال، والذهاب الى مجلس الامن ومجلس حقوق الانسان وكافة مؤسسات الامم المتحدة.
ومطلوب ايضا من الحكومة اعتبار منطقة بردلة وشمال الاغوار منطقة منكوبة، ومنطقة تطوير من الدرجة الاولى ومدها بالمشاريع والمساعدات لتثبيت الناس فيها وهم عبروا عن بقاءهم وصمودهم واستعدادهم للموت فيها، مطلوب مساندة جدية وشعبية لها، فالخطوة الاسرائيلية ستتبعها خطوات لاحقة في مناطق اخرى وهو يقودنا الى تساؤل واضح وهو هل بدأ التطبيق الفعلي من طرف واحد لتبادلية الاراضي؟ لان هناك اراضي ومساحات واسعة تم ضمها منذ سنوات في منطقة سلفيت مثلا واصبحت بحكم " المنتهية" من حيث الوجود الفلسطيني فيها ولكن جديد الاجراء الاخير انه بقرار سياسي من الحكومة والمجلس الاقليمي المسمى "عيمق هعمينوت " وهي فقط البداية اذا لم يتم التصدي لها بجدية وسرعة وعلى كافة المستويات محليا وعربيا ودوليا.
(عن موقع حزب الشعب الفلسطيني)
