المجاهد الشيخ أحمد شكري، ولد سنة 1920م في بلدة مجد الكروم قرب عكا. انضم للثورة الفلسطينية سنة 1936م، حينما كان في السادسة عشرة من عمره، اشترك في معارك كثيرة ضد الاستعمار البريطاني والاستيطان الصهيوني، واعتقل عدة مرات، وفي سنة 1948م حينما حاول الصمود أمام قوات الهاجاناه دفاعاً عن عكا، ضحى بروحه لتامين رفاقه من المجاهدين. فمات شهيدا (رحمه الله)، وها لكم قصة احمد شكري كما رواها الكاتب المعاصر -ابن عكا- فايز الكردي والتي نشرت في صحيفة فصل المقال ( ملحق المقال في أسبوع) الصادر يوم 27/9/2001م.
" المجاهد الشهيد احمد شكري مناع، من قرية مجد الكروم ( قضاء عكا)، ولا زالت أسرته تعيش في قرية مجد الكروم حتى يومنا هذا، اشتهر بأنه كان آخر مقاتل في آخر موقع في عكا وهو مركز الشرطة "التايجر" حيث تطوع للبقاء وحده ليقاتل من موقعه في مركز الشرطة، ويشغل قوات الهاجاناه، حتى يغطي على هرب زملائه المجاهدين بقيادة المجاهد الكبير" أبو محمود الصفوري" بعد أن ضربت قوات الهاجاناه طوقا محكمًا على عكا، وأغلقت جميع المنافذ من والى المدينة تماماً كما يفعل جيش الاحتلال الإسرائيلي بسياسة الإغلاق والتطويق اليوم على مدن السلطة الفلسطينية. وبذلك، صار إلقاء القبض على القائد البطل وزملائه المجاهدين مسألة وقت ليس إلاّ. لكن أبا محمود لم يكن من النوع الذي يستسلم بسهولة أو يقنط عند الملمات. ففي آخر يوم من أيام المقاومة في عكا، بعد أن احتلت الهاجاناة أحياء البلدة الجديدة، وتجمع المقاتلون العرب في البلدة القديمة، واخذوا مواقعهم فوق أسوارها، وراحوا يتراشقون بالرصاص مع القوات الغازية، عندها قرر القائد "أبو محمود" اختراق الطوق عنوة والمرور من وسط قوات الهاجاناه.
كان المرحوم الشهيد احمد شكري مناع يعمل قبل الاضطرابات في سكك حديد فلسطين بوظيفة "تلفونجي" في المحطة الغربية، وكان بحكم عمله هو الذي يعطي حق المرور للقطارات الخارجة أو القادمة إلى حيفا، وذلك بواسطة التحكم بفتح أو إغلاق " السيمافور" أي الذراع التي تكون موجودة فوق عمود مرتفع على مسافة نصف كيلو متر تقريبا من المحطة، وهي أي الذراع تكون مرفوعة مستوية عند منع المرور، وتنزل عند السماح بمرور القطارات.
نحن الآن في فترة الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية وحلفائها من قوات المحور، وكانت القوات الألمانية قد نزلت في شمال إفريقيا، وفاجأت القوات البريطانية وطردتها من كثير من مواقعها في طبرق والعلمين ومرسي مطروح. وكان الصراع على اشده بين بطلين من أبطال الحرب العالمية الثانية، أحدهما هو الجنرال الألماني الشهير "روميل" والآخر هو الجنرال البريطاني اللامع "مونتغمري" والذي كان لا يقل عنه شهرة وبراعة في الحرب وفي فن الكر والفر.
وكان سير القتال يدل على تفوق وغلبة الجيش الألماني وحلفائه الطليان، وهزيمة الجيش البريطاني وحلفائه من المستعمرات المختلفة، ووصل الأمر من السوء أن جعلت القوات البريطانية تهرب مستنداتها وأوراقها الهامة من مصر إلى فلسطين، بعد أن اصبح في حكم اليقين أنها ستهزم. وجعلت العصابات الإرهابية الصهيونية تضع الخطط وتعد نفسها لقتال الألمان إذا وصلوا في تقدمهم إلى فلسطين.
* عملاء بريطانيا العرب..*
كان الفلسطينيون قد أوقفوا ثورتهم الكبرى ضد بريطانيا، نزولا عند طلب ونصيحة ملوك ورؤساء الدول العربية، الذين لم يكونوا وقتها أكثر من عملاء لبريطانيا تحركهم كيف شاءت. واصدر الملوك والرؤساء العرب وقتها نداء رسميا طلبوا فيه من الفلسطينيين تعليق ثورتهم ضد " صديقتنا" بريطانيا التي كانت منهمكة في مواجهة روما وجيشه المنتصر في تونس وعلى حدود مصر الغربية. وكان طبيعيا أن أي اشغال لقواتها سيسبب لها الهزيمة، وقد فعلت المستحيل واستعملت كافة الضغوط لدفع الفلسطينيين لوقف ثورتهم، واجتمع قواد المناطق الفلسطينية وتداولوا في الأمر وقرروا الاستجابة لنداء الملوك والرؤساء العرب وتعليق الثورة ووقف القتال ضد بريطانيا. ومع أن العصابات الإرهابية الصهيونية لم توقف صراعها ضد البريطانيين، إلا أن إنجلترا وهي السلطة الحاكمة في فلسطين " لم تزعل منهم"، بل كانت تميل إلى جانبهم ضد العرب الفلسطينيين في السر والعلن.
وكان المرحوم "احمد شكري" وهو الوطني الغيور يفكر كثيراً في هذا الموقف المنحاز وغير العادل لبريطانيا وقرر أن يفعل شيئا ليعبر به عن استيائه من بريطانيا.
كان المرحوم احمد شكري يعمل في ضبط حركة القطارات الخارجة من حيفا والقادمة إليها كما ذكرنا، وكانت محطة حيفا غرب التي يعمل فيها، كخلية النحل، فالقطارات العسكرية لا تنقطع عن الحركة والسير فوق القضبان في الليل والنهار، وكان من مهمات المرحوم احمد شكري عند حدوث ضغط، أن يوقف القطار الخارج من حيفا على خط جانبي، وفتح الطريق الرئيسي أمام القطار القادم إلى حيفا.
والجدير بالذكر انه كان هناك ضابط بريطاني يجلس في مكتب خاص به في المحطة ويعمل كموظف في السكة الحديدية، على أن يختص عمله في القطارات العسكرية وتامين مرورها بيسر ودون إعاقة. وكان هذا الضابط يعرف بلقب R-T-O وهي الأحرف الأولى من جملة " ضابط قطارات السكة الحديدية" وكان لديه من السلطة الشئ الكثير، ولذا كانت كلمته مطاعة عند من يحمل أعلى منصب في المحطة وهو ناظر المحطة الفلسطيني وحتى أدنى موظّف وهو الفراش المسؤول عن نظافة المكاتب.
وكان هذا الإنجليزي يستطيع أن يوقف أي قطار مدني ويجمده ويمنع حركته أو استمرار سفره، كل ذلك لإتاحة يسر الحركة وسرعتها للقطارات العسكرية التي كانت تنقل ليل نهار الجنود والمعدات من فلسطين إلى ميدان المعركة في العلمين.
واغاظ سلطة وتصرف الضابط الإنجليزي وتسلطه على حركة سير القطارات، المرحوم احمد شكري، وفكر في طريقة للانتقام وجاءته الفرصة.
فقد حدث أن كان هناك قطار محمل بالجنود ذاهب إلى العلمين، وكان في نفس الوقت قطار عسكري آخر قادم من العلمين إلى حيفا، وعلم احمد شكري أن القطار القادم محمل بالجنود البريطانيين الجرحى وانه تجاوز محطة عتليت القريبة من حيفا، وطبعا لم يسمح للقطار المحمل بالجنود بالخروج من محطة حيفا، حتى يصل القطار القادم من العلمين مع الجنود الجرحى.
وكان تصرفه هذا سليما في نظر ضابط أل R-T-O البريطاني الذي كان يراقب كل عمل وتصرف له، لكن الذي لم يعرفه الضابط الإنجليزي، أن الشهيد احمد شكري، فتح الخطوط للقطار القادم على نفس الخط الذي يقف عليه قطار الجنود الخارج من حيفا، وكان القصد من ذلك أحداث صدام مروع بين القطارين. ووصل القطار القادم من العلمين إلى محطة حيفا غرب وهو يسير بسرعة بسبب كثرة العربات المربوطة فيه والمليئة بالجنود الجرحى، وكان القطار يزمجر بغضب ويحدث ضجة هائلة من بعيد..
* كأنه "عاصفة هوريكان"*
وكالعادة وقف ناظر المحطة ونائبه وضابط أل R-T-O، وبقية الموظفين والناس على الرصيف الذي من المفروض أن يقف القطار عنده، وعندما دخل القطار بضجيجه كأنه "عاصفة هوريكان"، لاحظ الجميع انحراف القطار إلى جهة جانبية حيث يقف القطار المحمل بالجنود الأصحاء، وهو ينتظر الإشارة للسفر إلى مصر ثم إلى العلمين. وكان سائق القطار القادم، وهو عربي، متيقظا منتبهاً، وعندما رأى تحول قطاره إلى الخط المشغول بقطار آخر، أسرع إلى فرملة القطار، وتزحلقت عجلات القطار فوق القضبان والشرر يتطاير منها إلى أن توقف القطار القادم على بعد قيد شعرة من القطار الواقف في المحطة.
وعندما اطمأن ضابط أل R-T-O أن الاصطدام لم يحدث استل مسدسه وركض في اتجاه" الكبن"، أي في اتجاه مكتب الشهيد احمد شكري المليء بأجهزة التليفونات "والمقصات" التي يحول بها الخطوط ويضبط حركة السير، وهو يريد إطلاق النار عليه وإعدامه. لكن المرحوم شاهد من شباك غرفته ضابط أل R-T-O قادما في اتجاهه والزبد يتدفق من فيه فقفز من النافذة إلى الجهة الأخرى هاربا. وجعل البوليس الحربي البريطاني أل M.P، يبحث عنه في كل مكان، لكنه لم يجده، وبعد أسبوع من الحادث بعد أن "بردت" القضية، سلم المرحوم احمد شكري نفسه إلى البوليس المدني الفلسطيني، وعقدت فورا محكمة عسكرية ميدانية لمحاكمته ومعاقبته. وفي المحكمة قص المرحوم احمد شكري قصة مؤثرة على هيئة المحكمة، فقال إن له ولداً وحيداً، وان الولد مرض مرضاً شديداً، وارتفعت درجة حرارة جسمه إلى حد الغليان وعظم الخطر على حياته، وطبعا لم ينم المرحوم احمد كما قال، بل بقي صاحيا طوال الليل لتمريض ابنه ووضع كمادات الماء الباردة مع الخل تنفيذا لأوامر الطبيب كي يخفض درجة حرارة ابنه. وفي صباح اليوم التالي، أي يوم حادث الصدام الذي لم يتم، ذهب إلى مكان عمله وهو منهوك القوى تعبا ومشغول البال على ابنه المريض، وكان النعاس يسيطر عليه ويغلق عينيه رغما عنه، ولم يستطع في حاله هذا التركيز، ولذلك اخطأ في تحويل الخطوط وهو نائم في اليقظة. وخرج قضاة المحكمة العسكرية للمداولة في الغرفة الأخرى، وبعد نقاش شديد بينهم عاد القضاة ليعلنوا حكمهم وهو أن المتهم سيستفيد من حالة الشك الذي أثارته قصته الإنسانية، وانهم يكتفون بطرده من الخدمة في سكك حديد فلسطين".
(جت- المثلث)
