إضاءات على فكر "المثقف الشغيل" (1)

single
  • هذه المقالة، التي تلقي بعض إضاءات على فكر الصديق والرفيق محمد دكروب، ستكون من ضمن مواد العدد القادم من مجلة "الطريق" المخصص بكامله لذكرى رحيله، والذي سيوزع في بيروت بعد أيام قليلة


في 24 تشرين الأول 2013، انطفأ نجم في سماء الثقافة التنويرية والتقدمية العربية، أراد أن يظل مشعاً حتى آخر رمق من حياته وهو يقول: «إذا توقفت عن الكتابة متّ». ففي ذلك اليوم، رحل عنا محمد دكروب، الإنسان الودود المرح، صاحب الصداقات التي لا تحصى بين المثقفين العرب، الذي اشتُهر بـ «المثقف الشغيل»، ليس فقط لدأبه وجده وغنى إنتاجه الثقافي، وإنما أيضاً لأنه درس في مدرسة الحياة، وتثقّف في أكاديمية النضال، حيث «يصير النضال علماً ويصير العلم نضالياً، ويصير العامل الكادح في مقدرة أن يعطي نتاجاً ثقافياً يوازي، من حيث الجهد والدأب والنتائج، الأعمال التي تطلق عليها صفة الأكاديمية»، كما كتب ذات مرة في مراجعته لثلاثية، الشغيل مثله، الياس البواري عن تاريخ الحركة العمالية والنقابية في لبنان. (1(


*الكاتب الذي جعل الكتابة ممارسة نضالية*


برز محمد دكروب ككاتب في الصحافة الثقافية والفكرية، في "الثقافة الوطنية" أولاً، ثم في "الأخبار"، وأخيراً في "الطريق". فهو جعل من هذه الصحافة ميدان نشاطه الأرحب، ووجد فيها أداة التنوير الأفعل، فكان - كما وصفه لدى رحيله الناقد المصري سيد بحراوي - "أهم منشّط ثقافي عربي". وفي عمله في ميدان هذه الصحافة الثقافية والفكرية، كان "الدكروب"، كما كنا نحب أن نسميه، يقتفي أثر النهضويين العرب الكبار، الذين جعلوا من هذه الصحافة وسيلتهم إلى نشر الأفكار الحديثة في العالم العربي.
بدأ محمد دكروب عمله في مجلة "الطريق" في عام 1966، وأضحى سريعاً جزءاً من مطبخها، ثم، منذ مطلع السبعينيات، سكرتيراً لتحريرها، إلى أن انتهى به المطاف، في عام 1993، رئيساً لتحريرها. وبفضل جهوده، وجهود حسين مروة وكريم مروة بوجه خاص، غدت " الطريق" واحدة من أهم المجلات التقدمية العربية، ومنبراً للتنوير بالحداثة، ولنشر الفكر الماركسي ومراجعته، وإعادة قراءة التراث التقدمي العربي، وساحة للمجادلة والنقاش والسجال في أبرز قضايا وطروحات الفكر العربي.
لقد توحّد "الدكروب" توحداً صوفياً مع "الطريق" والتحم بها، فكان يفرح، فرحاً شديداً، لدى صدور كل عدد من أعدادها، ويحزن، حزناً عميقاً، عندما تُضطرها الظروف للتوقف عن الصدور. وتبيّن الافتتاحية التي كتبها لعدد أيار 1993 من "الطريق" طبيعة فهم محمد لدور هذه المجلة التنويري، في زمن سيطرت عليه مشاعر الإحباط  في ضوء الانهيارات التي شهدها العالم "الاشتراكي"، إذ كتب بأن من الضروي أن تضطلع المجلة بمهمة "إعادة القراءة النقدية الجادة في النظرية وماضي النظرية، وإلى تطوير النظرية بتجذيرها في أرض الواقع، فإلى القراءة الجادة والأصيلة في الحركة الداخلية للمجتمعات العربية"؛ وأن تتولى "تقديم دراسات نقدية حول بعض مفاهيم في الماركسية تجاوزها الزمان، وحول تلك المفاهيم التي يجب تجديدها ارتباطاً بجديد العصر"؛ وأن تتولى "معالجة تلك الأسئلة/المعضلات التي يعيشها العالم العربي ويعانيها: معضلة الديمقراطية، والمجتمع المدني، وإشكاليات بناء الدولة، وقضايا التنمية، وتشوش مفهوم القومية"؛ وأن تقوم بتنظيم "حوار ديمقراطي عقلاني مع الأفكار النافذة، أو التي تسعى إلى الهيمنة في العالم العربي: بدءاً بالتيار الديني، في أشكاله المتعددة، وصولاً إلى الكتابات القومية الجديدة، أو أفكار الليبرالية"، على أن ينطلق هذا الحوار "من هوية أساسية عامة، تقدمية، ديمقراطية، ماركسية، غير متزمتة، لا تحبس نفسها في النصوص، ومنفتحة على التجديد والتطوير والبحث الدائم"، وأن يكون الهاجس الأعمق للمجلة "الإسهام في تهيئة مناخ ديمقراطي لجهد جماعي يقوم به مفكرون من مختلف البلدان العربية، يسهمون في صياغة فكر عربي متجدد ومتطلع إلى فلسفة معاصرة للتحرر الوطني، تتفاعل نقدياً مع عصر النهضة، وتدافع عن القومية والديمقراطية والاشتراكية ". (2)
وبعد عشر سنوات، وفي ضوء النقاشات الحامية التي دارت بين المثقفين العرب في ضوء الغزو الأمريكي للعراق، والتي كان من إفرازاتها صدور دعوة إلى بلورة "خطاب ثقافي عربي جديد"، رأى محمد دكروب أن وراء يافطة "المثقف العربي" تتواجد تنوعات عديدة للمثقفين العرب: "من المثقفين المعارضين للسلطة بدرجات متفاوتة، إلى المثقفين المندمجين بالسلطة أو المطبّلين لها، بدرجات متفاوتة أيضاً، إلى المثقفين "المستقلين" الذين يتنقلون قفزاً بين المواقع، إلى المثقفين النقديين الذين يمارسون فعلاً استقلالية المثقف، وينطلقون من مخزون معرفي ونضالي"، معتبراً أن هذه الفئة الأخيرة هي التي تعبّر عن المثقفين الوطنيين والديمقراطيين العرب، الذين هم "المضمون المعرفي والمخزون المعرفي للحركة النضالية من أجل التغيير وبناء الديمقراطية والعدالة"، والذين يتمثّل دورهم في "نشر الوعي بتخلف الأنظمة العربية الراهنة، وبضرورات التغيير، وإعادة تكوين القوى والأحزاب السياسية المعبرة عن هذه الطموحات". وفي مواجهة من فضّل، من المثقفين العرب، "الاستبداد على الاحتلال"،  أو "الاحتلال على الاستبداد"، أكد محمد دكروب أن مهمة المثقفين العرب، الوطنيين والديمقراطيين، هي النضال ضد الاستبداد والاحتلال في آن معاً؛ مهمتهم أن يناضلوا ضد الاستبداد، "من أجل الديمقراطية وسيادة القانون، وإزاحة الأحادية والحكم الفردي"، وأن يناضلوا ضد الاحتلال، لأنه، بطبيعته، "لا يحمل الديمقراطية، بل يحمل، إلى خاصية القمع الشمولي، الخاصية الأساسية لأي احتلال: نهب ثروات البلاد، وإعادة الاستعباد الاستعماري، ومنع الشعب من أن تتولى قواه الوطنية إدارة شؤون وطنها، في دولة ديمقراطية مستقلة". (3)


*الماركسي المنفتح، الحريص على إنتاج عربي مستقل للماركسية، خلافا للسائد!*


ظل محمد دكروب حتى نهاية حياته ماركسياً ملتزماً وشيوعياً صادقاُ؛ ظل رجل مبادئ، يأبى أن يوظّف قلمه لغير خدمة الثقافة التقدمية والتنويرية. لكن شيوعية "الدكروب" كانت في الواقع من نوع خاص، فهو كان يتعالى على الخلافات الحزبية، ويبتعد عن المناصب ويرفض الانضواء في الأطر التنظيمية. أما ماركسيته، فكانت من النوع المنفتح البعيد عن الدوغماتية.
فهو أشار، ومنذ زمن مبكر في مطلع السبعينيات، إلى أن مهمة الماركسي، في بلداننا العربية، هي: الكشف عن التجلي الخاص  لـ "القوانين العامة " للماركسية، وذلك "ليس فقط لفهم الحركة الواقعية لتطور هذه البلدان، بل خصوصاً لقيادة عملية التغيير الثوري فيها، ولانتصار الاشتراكية". فالماركسية يجب أن تُستخدم في بلادنا، كما كان يرى، "بشكل يختلف عنه في بلاد أخرى، ذلك أن القوانين العامة لحركة التطور الاجتماعي تتجلى في كل مجتمع بشكل خاص تبعاً للظروف الملموسة لهذا البلد ولدرجة تطوره وللتركيب الطبقي فيه وشكل علاقاته الإنتاجية...إلخ". أما التمسك المجرد بنصوص المبادئ العامة، دون تحليل جدي للواقع الحي، الملموس، فسيقود، كما قدّر، "إلى الجمود العقائدي، وبالتالي إلى الانعزال عن الواقع وعن الجماهير". (4)
وبعد الانهيارات التي حصلت في نهاية الثمانينيات، وما رافقها من بلبلة فكرية، وبالأخص في صفوف الماركسيين، أكد محمد دكروب أن  زمان البلبلة الفكرية نفسه، "إذ ينطوي على ممهدات الركود والتبلد، فهو ينطوي أيضاً على عوامل، ومبررات، لإعادة النظر وإمعان الفكر، والتحرر من عادة الركون إلى الثوابت الجامدة، والدخول في أفق ضرورات التجدد والتجديد". فالفكر الماركسي في البلاد العربية، الذي "كان محكوماً بثوابت ومواضعات وتقلبات وطروحات السياسة الفكرية السوفياتية، يتكئ عليها أو يلتزم بها"، بات عليه، بعد تلك الانهيارات، أن يقف لأول مرة في تاريخه "وجهاً لوجه أمام التحدي الصعب: أن يكون مستقلاً، وأن يصير، يتكوّن، كما كان عليه أن يكون: فكراً ماركسياً عربياً". (5)
وقد أخذ محمد دكروب على الماركسيين في بلداننا العربية عجزهم عن الإدراك العميق للخصوصية العربية، وعن رؤية ما هو خاص، ومتميز، في أوضاع بلادنا، ونزوعهم "إلى  الاتكاء على الخط السياسي العام للحركة الشيوعية العالمية، وذوبان ما هو وطني بما كان يُظن انه هو الأممي". وأرجع هذه الظاهرة إلى عاملين رئيسيين:
الأول، اعتماد الأحزاب الشيوعية العربية على "التعليمات" التي كانت تأتيها من مركز الحركة الشيوعية العالمية في موسكو. وهو توجّه حكم تقريباً "مسار قيادات معظم الأحزاب الشيوعية في هذه المنطقة، منذ تلك البدايات وإلى آماد طويلة". وهو ما أشار إليه في مراجعته لكتاب ماهر الشريف : "فلسطين في الأرشيف السري للكومنترن"، عندما رأى أن الشيوعيين ارتكبوا "الخطيئة الأصلية"، عندما راحوا، منذ زمن مبكر، يطلبون وينتظرون إرسال "توجيهات محددة "، حول أهم مهمات أحزابهم، من قيادة كانت في موسكو. واضاف بأنه عندما كانت بعض الأحزاب تتمرد على هذه الممارسة، كان " سلاح الاتهام بـ "الانحراف والتحريفية" وغيرهما، هو السيف المسلط فوق الرؤوس القيادية لهذه الأحزاب "المارقة" ". (6)
والثاني، هو طبيعة عملية التثقيف (الماركسي) في صفوف الشيوعيين في العالم العربي، والتي كانت تقوم من ناحية، على "حفظ المقولات الماركسية بأشكالها السردية المبسّطة، مع الوهم بأن هذا الحفظ هو طريقنا لفهم مجتمعنا على أساس جديد"، ومن ناحية ثانية، على "الفهم الستاليني المشوّه للأممية بوصفها: اكتفاء بتجربة النموذج القائم هناك، وأخذاً سلبياً من ثقافة هذا النموذج".
وقد اعتبر محمد دكروب أن ذلك المناخ غير الصحي، وغير الماركسي بالطبع، هو "أحد أهم أسباب ندرة اهتمام الفكر الماركسي في بلادنا العربية بدراسة المسار التاريخي للتكوينات الاجتماعية الاقتصادية في هذه البلدان العربية"، وبالتالي أحد أهم أسباب " تخلف فكرنا الماركسي العربي"، معتبراً أن  الوصول إلى المعرفة الموضوعية، أي العلمية، لا يمكن أن يتم "من دون حرية الفكر والبحث العلمي، من دون إشاعة الديمقراطية"، ومن دون "تجاوز حاجز الجمود العقائدي، أو حاجز قوة العادة، أو التبلد الفكري أو المكابرة ".
وانطلاقاً من هذه القناعة، اندفع محمد على طريق تشجيع ودعم  كل الاجتهادات الرامية إلى إنتاج عربي مستقل للماركسية، داعياً الماركسيين العرب إلى الخوض في  "المغامرة الفكرية"، بالرغم من كونها "مخاطرة فعلية"، قد تؤدي إلى "إدانة" من يقدم عليها واتهامه  "بالشوفينية، والمروق، والخروج على الأممية". وحيا، في هذا السياق، التوجه الفكري "الخاص" لعدد قليل من الماركسيين العرب الذين حاولوا الخوض  في هذه "المغامرة"، عبر السعي إلى إنتاج عربي مستقل للماركسية، كمهدي عامل، وسمير أمين وأحمد صادق سعد. (7) (يتبع).




///هوامش


1."الطبقة العاملة تكتب تاريخها: الياس البواري يكتب التاريخ الملحمي للطبقة العاملة اللبنانية ومسيرتها نحو المستقبل"، الطريق، العدد 4، أيلول 1987، ص 249-262.
2.""الطريق"... إلى المستقبل"، الطريق، العدد الأول، أيار 1993، ص6-8.
3."في مسار الخطاب الثقافي الجديد... وآفاقه: دوركم في الديمقراطية أيها المثقفون"، الطريق، العدد 4، تموز– آب 2003، ص 27-31.
4."دروس وأفكار من لينين"، الطريق، العددان 4 و 5، نيسان-أيار 1970، ص 215.
5."قراءة راهنة في مسيرة "الطريق"... تاريخ ومراحل"، الطريق، العدد 1، كانون الثاني – شباط 2002، ص 268.
6."قراءة راهنة في المسيرة المتعرجة للحزب الشيوعي الفلسطيني: رحلة في دهاليز الأرشيف السري للكومنترن"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 67، صيف 2006، ص 149-170.
7."أحمد صادق سعد: حركية الفكر والنضال في البحث عن الطريق المصري العربي إلى الاشتراكية"، الطريق، العدد 4، آب 1990، ص 107-120.

قد يهمّكم أيضا..
featured

إلى الحدثة، غدًا

featured

من وحي الحرب على سوريا

featured

رباعيّة الرّحيل

featured

بمناسبة الذكرى السنوية الـ 36 لحرب تشرين التحريرية عام 1973

featured

عارهم في هذا الوطن الذبيح