القرين

single

هاكم مقاربة تفسّر خوف اليهودي الإسرائيلي من "القرين" الفلسطيني، كما في إصرار رئيس الإدارة الإسرائيلية الجديدة على اعتراف الفلسطينيين بـ"يهودية دولة إسرائيل".
سأقتبس من آدم باروخ، محرّر أسبوعية شيشي (السبت) العبرية هذا "المونولوغ" الذاتي، عندما جلس باروخ في مواجهة عينيّ أديبنا الراحل إميل حبيبي. النص منشور في فصلية "مشارف" العدد 9، الصادر في حزيران 1996، وكنتُ تناولته مطلع عمودي المنشور في 13-6-1996: "أدركت ماذا أرى في عيني إميل حبيبي. لقد رأيتُ نفسي؛ أي: أنني رأيتُ نفسي كما رآني إميل. إنه يحدّد نظرتي إلى ذاتي. وأنا أحكم على نفسي حسب الشارة المطبوعة في وعي "الآخر" وانعكاسها عليّ. هذه هي إحدى قواعد هذا المكان اليهودي - العربي؛ فأنتَ ما يراك الآخر، وفي خلال سنوات "الآخر" هو الذي يعرّفك. في خلال هذه السنين أصبح الفلسطيني هو الذي يعرّف الإسرائيلي".
يمكننا قراءة هذه العبارات الأدبية المرهفة قراءة سايكولوجية، أو قراءة سوسيولوجية.. وأمّا القراءة الحضارية، فلا تزال عبارات حروفها متناثرة بين تعريف الصراع صراعًا حضاريًا، وبين تلمّس الحلّ باعتباره حلاً حضاريًا.
كلّ احتكاك بالآخر هو عملية تفاعل معه و"تقابس". على سبيل المثال، فالمجتمع العربي الإسلامي في الأندلس، وهو مجتمع الفاتحين، أدى إلى حضارة عربية - إسلامية ملائمة أو متوائمة مع ذلك المكان الأندلسي، وتبدّلت عادات المأكل والملبس العربية، بل ورقّ الشعر العربي وشف. بالمناسبة، كان ثلث سكان الأندلس عرباً مسلمين للحكم والجيش، والثلث الآخر مسيحيين للاقتصاد، والثالث يهوداً للطب والفلسفة والعلوم.. هذا على التعميم، قبل أن تخلطهم الحضارة الأندلسية في "بوتقة".
لماذا يريد نتنياهو من فلسطين-السلطوية الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل؟ هل لمجرّد تنقيح "دولتين لشعبين" لتغدو "دولتين قوميتين لشعبين"، أي دولة يهودية بديمقراطية يهودية، ودولة وطنية فلسطينية، على ما تقول السيدة ليفني؟
فَطِن عرفات لهذا الكمين الذي يحاول إجهاض التطلّع الديمقراطي للفلسطينيين داخل إسرائيل. ورأى، قبل وفاته، أن لإسرائيل أن تعرّف نفسها كما تريد، ولكن ليس لها أن تجعل الفلسطينيين يقبلون هذا التعريف.
لا يمكن صيرورة يهود إسرائيل شعبًا إسرائيليًا، ذا هوية وطنية إسرائيلية مبلورة في "دولة ديمقراطية" حقًا.. دون أن يشارك "القرين" الفلسطيني في إسرائيل بهذه العملية، وصياغة هوية إسرائيل، أي "تصنيع" شعب إسرائيلي، بينما يقول أوري أفنيري باكتشاف فاجع: يوجد في دولة إسرائيل اليهودية شعبان: الشعب العلماني (الصهيوني) و"الشعب الآخر". أي الشعب اليهودي.
يستطيع الفلسطيني العادي أن يعرّف نفسه بتقديم أو تأخير هذه المفردات: فلسطيني. عربي. مسلم (أو مسيحي)، لكن الإسرائيلي العادي لا يستطيع بهذه السهولة. فشلت إسرائيل في تهويد "أرض - إسرائيل" من البحر إلى النهر، وتريد من الفلسطينيين مساعدتها في "تهويد" الصهيونية والإسرائيلية معًا.
لقد تمّ حل "المسألة اليهودية" على حساب الشعب الأصلي في هذه البلاد.. ولكن يبدو أن على الفلسطينيين حل (أو إجهاض حل) المسألة الإسرائيلية.
عندما استمع إميل حبيبي إلى تحليل آدم باروخ، قال له: "أنتم الصنف الأسوأ، لأنكم تضعون الأقنعة على وجوهكم (..)، الأسهل علينا أن نتعامل مع الفاشيين المهترئين".
كنتُ أعتقد أن "القرين" من حكايات الجِن والخرافات، لكنها حكاية إسرائيل مع اقتلاع ونهوض الشعب الفلسطيني.
صاحت فجأة جندية: "هو أنت ثانية؟ ألم أقتلك؟".
قلت: "قتلتني.. ونسيتُ، مثلك، أن أموت"... محمود درويش

قد يهمّكم أيضا..
featured

مئات ملايين الجياع.. عار العالم

featured

انتفاضة أيضا على التوظيف السياسي للدين

featured

استشهاد جواهر أبو رحمة وسؤال المقاومة السلمية

featured

انما الامم الأخلاق..!!

featured

بارْك كندا الخطيئة

featured

الثورة واللغة والأكل

featured

أسرار يكشفها أحد أعضاء وفد ليبيا

featured

لماذا لم تصمد في جولتك الاخيرة مع القدر يا أبا فرح