- سلمي لي على البلاد...
ولمست كلماتك شغاف قلبي... معبأة بسني الاغتراب كلماتك..
في تلك اللحظة المشحونة...
حرقتني صور الماضي في زوايا عينيك... توغلت في سراديب عذابك... فاض قلبي أخوة. ليتني أحمل صليبك لأخفف عنك... ابتسمت لي تشجعني ربما قرأت في وجهي ما جال في خاطري.
- اعتدنا على هالحياة... هيك صار الله يعلم عاد بنشوفها بعد؟
ودعت بلمحة وقلت "ولا يهمك " وتركتني وحيدة والتمزق على الطاولة الغريبة؛ أحاول خنق إعصار من البكاء.
لكنه تفجر بغزارة السنين التي مرت... دهشت ودهش كل من حولي من رواد مطعم المطار.
رافقني وجهك الطيب مسافة الرحلة... أطل بين الكروم على مقربة من القدس... كاد يمحو الأشجار والجبال... خاطبتني سنواتك الستون طوال الطريق... طيب كأبناء بلدي... ليتك تحظى برؤية بلدك. أحسست بثقل المهمة... لكني مصرة أن أرى المكان... أن احس المكان... فقد حملتني رسالة أمانة الى أرضك بيت نوبة... التي كانت...
قالت زميلتي الكندية عايدة (عاشت في القدس طفلة كما أخبرتني حيث إن والدها كان سفير مصر في فلسطين قبل النكبة) بلهجتها المصرية الرشيقة:
- أنت معزومة على العشا الليلة بعد الندوة، دكتور اسماعيل زايد بستناك تحت.
- ما بعرف حدا هون...
- لأنك من ريحة بلاده... الدم بحن، مأنتم كلكم كده.
شردت... من ريحة بلاده... يا عليّ... شعور يتحدى الكلمات... وجدتك في الانتظار... أنت والشوق العارم..
أحسست بأني أعرفك منذ عصور.
توقفت السيارة... هنا... هذا هو المكان... تعالى وجيب القلب... استقبلتني لافتة متحجّرة منقوش عليها بالخط الأسود:
"بارْك كندا. أقيم من أموال المتبرعين اليهود الكنديين".
يا للمكان... تريّثت قدماي قبل أن تطأ أرضه فالقداسة تفوح منها. هبت نسمة باردة عبر الظلال الوارفة لشجرة سنديان عتيقة... لم تطفئ حرارة صدري... الاخضرار ملء المكان... مشيت... نادتني الكروم... التين والزيتون يسائلني عن أصحابه... صحبة العمر... الشجر هنا يندى حنينا... الأرض تلتهب انتظارا... الطبيعة تكتنفها دهشة... انها تسمعني... أفهم لغتها... أرض سووا سطحها... مسحوها..
محوا ما كان فوقها وغرسوا العشب الأخضر والشجر علّه يخفي لون الجريمة. أين أنت أيتها البيوت؟ أجيبيني من تحت
من مدفنك... كيف استطاعت تلك اليد أن تفعل دون تردد... دون رعشة ؟ كيف ينحط الانسان الى هذا الدرك السفلي؟ توجهت الى درجات ضخمة صفت من بقايا حجارة الردم... البيوت التي كانت. اللافتة تعلن "إل هنوف" ( بالعبريّة - الى مكان مشرف على منظر طبيعيّ جميل). هممت بصعوده فاستوقفتني بشدة قنطرة... بقية قنطرة... دفنت بتراب الردم لكن قمتها بقيت عنيدة...اشرأبت تذكارا للأثم. هزّتني تلك القنطرة... هدتني... حكت لي حكايا...
علوت بخطوات ثقيلة كالهمّ... أحسست الطريق طويلة الى فوق... تلكأت عند كل درجة... سمعت همسها... لمن تكون...؟ حجرا لبيت من...؟ قمة المسجد بانت أنقاضا رغم جهدهم الجهيد بتزويرها على موضة "عتيكوت" (آثار قديمة)... أي والله فرجة للسياح... رأيتهم توافدوا من "أرض اسرائيل الكبرى"... حن علي فيء شجرة توت متجذرة... عمرها بعمر القرية المدفونة...
وقفت مشدوهة... مسكونة بانفاس أهلها وناسها...! سلام عليك يا هضاب عمواس الحيرى...
يا سهول بيت نوبة... يا لوز يالو... يا مترعة بحرقة الأشتياق...سلام عليك يا أطلال البيوت الصارخة تحت هدأة الثرى...
أخاف يا صديقي أن تقف وقفتي هذه... أخاف على قلبك أن ينفطر.
روعة المكان... حدائقه المعلقة جنة الله على الأرض...وأنا عاجزة عن رؤيتها بل أرى عبرها الماضي ينضح... رأيت الأمس... بالأمس كانوا... يعيشون، ينعمون بخيرات الأرض، يسعون الى أرزاقهم، يسمرون، يفرحون يحزنون.
بالأمس... بالأمس مروا عبر هذه الوهاد... مطرودين من فردوسهم – ليس بأمر من خالقهم هذه المرّة – رحّل... بقج تعلوا الرؤوس... أطفال يتشبثون بصدور الأمهات... قنابيز من
قماش الروزا الشامي تهرول... القوا على بيوتهم نظرة وداع...
لم يدروا بأنها لن تكون بعد... بعثوا الى مرجل التشريد... طوابير... طوابير أراهم من على هذا المرتفع... يجرّون ذيل الحرمان وسؤال المجهول... وقف جندي وحيد... شخصت عيناه في الكتل البشريّة... تجمّد... عرف أن منهم من لن يصمد حتى يصل القرية النائية... سيسقط على الطريق...
منعوهم ان يأخذوا شيئا... حتى شربة ماء للأطفال والمسنين... ام محمود أخفت صورة المرحوم زوجها في عبها... تفرقوا في الأرض أيدي سبأ... حرموا أعزّ مكان... منهم من فارق هذه الحياة في أرض غريبة ومنهم ما زال على العهد...
صحوت على نشيد "هيفينو شالوم عليخم " (جلبنا لكم السلام).
انطلقت به حناجر مجموعة من الطلاب، جنود الغد... طغى في الأثير عويل الأطفال العطاش... عتابا... ونواح نساء في طابور الرحيل.
نشيد آخر يصخب "بوئو نطييل بآرتس" (هلّموا نتنزه في بلادنا)... وقفت أرقب فرحهم وقد مدوا طاولة جلس على رأسها مرشدهم السياحي. يبدو أن الرحلة في نطاق برنامج " تعرّف على بلادك " أخذ المرشد يسترسل في الشرح...
المكان وتأريخه جزء لا يتجزأ من " أرض اسرائيل ". رفعوا الكاسات بشكل احتفالي وشربوا نخب المكان... تعالت قهقهات النصر وازدردوا الطعام بشهيّة...!
وفي الطريق الجبليّة الملتوية سرت... باتجاه القرية الثانية المخفيّة. تينة وارفة تعلو من المنخفض لتطل بفروعها على الطريق... تقطعت أنفاسي فجأة... تسمّرت في مكاني للمشهد الغريب... مستوطن يملأ تنكة بحبات التين الغزالي الناضج على امه... يعرّمها... ثمّ يركض بها الى سيّارته باشّا كأنها غنيمة حرب... سحنة وجهه وتصرّفه تعبّر عن حالة سرقه...
ربما كانت تينتك يا أخي في وجع الأرض؟
بل ان الأرض مشاع لهم...!
امتدّت يدي لتقطف حبة... أشعر أنني في بيتي يا أخي في الغربة... لكن أتصدق... يدي ارتجفت وحلقي غص... تسمّرت عيناي لكتابة على بقيّة حجر من أحجار السناسل الجديدة (المبنيّة حديثا من بقايا الردم)... تكشف عن جزء من اسم... من يكون؟ ابو علي زايد؟ ربما كانت هنالك أعلى بوّابة بيته لافتة منقوش عليها اسمه وآية قرآنيّة تحفظه.
أثناء تجوالي بين الأطلال رق قلبي لتلك السناسل القديمة... هنا سنسلة ابو مروان... هنا حاكورة أبو جريس يدل عليها الصبّار... يا الله ما زالت على حطة ايده... آه...! تنهيدة زفرتها من قراقيح قلبي... اتكأت دالية على سنسلة، ذوت الا من فرع صارع اليباس فصرعه، اخضوضر... ربما تغذى من خصيب الذكريات...!
تتوالى أسراب المصطافين والسياح زرافات... وأنا واقفة كالحمام النائح على أبراج الذاكرة ؛ زيتا... بيت نوبة... عمواس... يالو... الزيب... كفر برعم... أرقب كل زاوية في هذا المكان وفي ذاك المكان... الصفحات عينها... اليد عينها...
ترمقني قمّة مئذنة يتيمة... يا للمفارقة...
لاحت مني التفاتة الى غصن يصدح عليه سرب من الطيور.
أحفاد تلك الطيور، طيورهم... بسمة مرّة اعتلت شفتيّ...
أكاد أسمع نبض الأرض... التراب يمور هنا... الوادي يضج... المكان مسكون
بأنفاسهم...
- سلمي لي على البلاد...
كان سلاما لن ينسى يا أخي في ملحمة البقاء.
(عكا)
