في هدأة الليل – وظلامه - انتشر خبر قرار الرحيل كالنار في الهشيم، عندما طال الانتظار وخاب امل العود، وتهاوى الى واد سحيق، وبات هراءً وسرابا.
عمت الوشوشات بين جموع اللاجئين، وكثرت الهمسات في جو من القلق المريع خيّم الصمت، كما لو كانوا في مأتم .
قضت صبرية ليلتها في غمّ وهمّ، وفي اضطراب وحيرة من امرها وراحت تبحث بين الناس عن معين لها يساعدها على الخروج من محنتها. لم يحالفها الحظ وساورتها الهواجس وهاجمتها كوابيس من الأفكار، والانفعالات. بحثا عن حلٍّ، أربعة أطفال في عمر الورود يفترشون الأرض من حولها اكبرهم في العاشرة، واصغرهم في الثالثة من عمره، المشوار الى لبنان طويل، والطريق وعرة، وشاقة جبال واودية ووهاد والجو في أيلول حار وجاف – وقد نفق الحمار من الجوع وهم في صحراء الانتظار، الذي كان وسيلتها الوحيدة في نقل اطفالها يوم الهجيج من بلدتها، غرقت في التفكير، فاستذكرت زوجها الذي غادر البلدة ثلاثة أيام قبل ذلك اليوم الأسود المشئوم – جنديّا في جيش القائد "أبو محمود" الذي جاءه امر بالانسحاب، استذكرت والديها اللذين رحلا عن الدنيا منذ زمن ليس بالبعيد، استذكرت، شقيقاتها واشقاءها وازواجهم واطفالهم الذين غادروا البلدة الى جهة أخرى، وعندما وصلت في تفكيرها الى الباب الموصود للخروج من محنتها، جنحت به وضاعت في صحراء مظلمة من اليأس، فانتصبت امامها فكرة ايداع، ابنتها ابنة الثلاث سنوات امانة، لتخترق حدود المألوف وتعبر اشواك الامومة لايداع زينب "آخر العنقود"،امانة في عهدة "أبو يوسف العاصم" ابن القرية، ريثما يعودون ويستردون الأمانة، من ذلك الرجل، الذي ابلى بلاءً حسنًا، وكان من الناس الطيبين الذين احسنوا الوفادة، ساهموا، وجادوا ومدّوا يد العون للاجئين، واغدقوا عليهم الطعام والشراب والمساعدات، طيلة أيام اللجوء والتشرد تحت أشجار الزيتون في شهر تموز القائظ والحار . وكان "أبو يوسف العاصم" قد خصّ "صبرية" واطفالها الأربعة بعناية متميزة، ورعاية فريدة.
وفي صباح ذلك اليوم الحزين عمّت الفوضى والضوضاء واختلط الحابل بالنابل، وتعالت الأصوات وانطلق عويل النساء – وبكاء الرجال – وصراخ الأطفال – وانبجست الاتهامات وتزاحمت النقاشات حادّة، شدّوا الرحال واخذت قوافل اللاجئين تغادر ارض الزيتون وعندما همّت بالرحيل مع ركب النازحين، الذين ولّوا شطر الشمال الى لبنان، لتلحق بزوجها فبصوت أبحّ، نفذ من غصةٍ في الحلق والصدر، وبقلب فاجع، جريح، وعيون دامعة اخذت تتوسل "أبو يوسف العاصم " بأن يساعدها للخروج من محنتها ويخفف وزرها الثقيل بأن يرضى " بزينب" امانة في عهدته، وقالت والحسرة تخز احشاءها واللوعة تهز وتنخر كيانها: بالله عليك يا عمي "أبو يوسف" خليها عندكوا حتى نعود وانشالله ما بتطول غيبتنا ونسترد الأمانة وكانت الدموع تنهمر كالجمر، لم يصدق " أبو يوسف" ما سمعته اذناه. اطرق قليلًا وقال في نفسه، احنا اشغالنا كثيرة ويومية – صباح مساء، شتاء وصيفًا، لا أطفال عندنا ولا بنات لا في جيلها ولا غيرو اناوهل مرة والشباب، وفي خضم اطراقته عادت تتوسل بالحاح، استعاذ، وحوقل وفرّت الدمعة من عينيه، وتناول الأمانة واحتضنها " ودّعت صبرية ابنتها "زينب" بقبلة حارة والدموع تسح من عينيها (عين على صفورية وعين على زينب) الغرة الغريرة ذات الوجه المشرق البهي والمستدير، شقراء اللون، عينان زرقاوان، واسعتان يبرقان بالبراءة، يشعان بالوداعة، اندهش "أبو يوسف" من سلوك الطفلة، ووداعتها لم تحرك ساكنا، لم تبك – لم تصرخ، ظلت هادئة سكوتة، نظرت الى والدتها واشاحت بوجهها الى صدر "أبو يوسف" مشى بذهول، وراح يتساءل وهل ادركت الطفلة هول الفاجعة وعمق المأساة وعظم المصيبة وارتضت بحظها العاثر وقد يكون الآتي أسوأ – ثم تساءل لماذا اختارت الطفلة وهي آخر العنقود؟
دخل " أبو يوسف" البيت يحمل في حضنه الطفلة، وقصّ على زوجته وأولاده حكاية المرأة وحيثيات المحنة، فتقبلوا الحديث بجزع والم، والطفلة بسرور وحبور فهيّأوا لها خدرًا خاصا بها، في ركن من اركان البيت الواسع من ستائر من القماش، افتقدت (زينب) عطف الاب الحنون، وحنان الام الرؤوم، افتقدت الدغدغة والهدهدة، والحضن الدافئ – الدفيئة والابتسامة امام عينها صباح مساء.
قال الراوي:
قضت زينب في بيت "أبو يوسف" سنة ونصف السنة، لا تخالط اترابها – فضلت الوحدة والانطواء على نفسها، ومع الأيام شحب وجهها، ووهن جسمها، وسقم وغارت عيناها وغابت نضارتها، وعندما حل فصل الشتاء ببرده القارس كانت حافية القدمين، وبثوبها الصيفي هطلت الامطار غزيرة مدرارة في ذلك اليوم لسعها البرد . استيقظت في الصباح وكان السعال قد هاجمها، احضرت لها "ام يوسف" كأسا من الشاي بالمرمية ثم قدمت لها كأسا ساخنا من ورق الكينا – عادت زينب الى زاويتها اشتد السعال يوما بعد يوم وطال مرضها ذبلت كالزهرة اليانعة التي تذبل، احضر أبو يوسف شيخ القرية وتلا عند رأسها آيات من الذكر الحكيم، وتمنى لها الشفاء العاجل وعندما لم يُجد الدعاء والتضرع، سارعت ام يوسف واحضرت الحاجة خديجة بضغط من ثلّة من النسوة تحلقت حول زينب لتخرّج عن الطفلة وضعت يدها على جبين زينب وقالت حرارتها عالية كثير .
هاتوا رصاصة واخذت تتمتم فوق رأس الطفلة ومسّدت شعرها تارة وتارة أخرى تلوح بيدها فوق رأسها . أجمعت النسوة ان "حمدة" المرأة المصيبة الملعونة هي التي صابتها بالعين – نظرت "ام يوسف" الى الأرض وصمتت لحظات وقالت للنسوة يا جماعة عمرها "ام حمدي" ما دخلت دارنا والبنت ما كانت تخرج بالشارع، حتى ما خالطت البنات من جيلها، كانت توكل وتحشر حالها في زاويتها، من وين العين اجتها .
عانت وخضعت زينب للسعال الذي استفحل وأنهك قواها، ساءت صحتها وفي سكرات الموت اخذت تهذي وانثالت الكلمات من فمها خفيضة، بحشرجة، فاخذت تنادي: يما، يابا، يما تعالي وينك بدي اروّح اغمضت عينيها واسلمت روحها للباري ورحلت رحلتها الأبدية، ضرب "أبو يوسف" كفا على كف وقال: يا للخسارة فقدنا الأمانة وضاعت قبل العودة، وماتت زينب ملتاعة.
(عرابة)