عندما كتب الشاعر توفيق زياد هذه الكلمات، دخلت الناصرة إلى قلوب ووجدان كل أبناء شعبنا:
أنا من هذه المدينة
من حواريها الحزينة
من شرايين بيوت الفقر
من قلب الثنيات الحصينة
وحين أضاف تفاصيل شوارع وساحات هذه المدينة:
أنا من شارع "يوم الأرض"
من "دوار أيار"
ومن ساحات "صبرا" و"شاتيلا"
والزقاقات التي
لا تجرؤ الشرط أن تدخلها
عندما يشتعل الناس غضب
تجلى دور الناصرة التاريخي في حفظ الراية الجماعية وصيانة الكرامة الوطنية ليس لأهل الناصرة فحسب، بل لكل الوطنيين الشرفاء من أبناء هذا الشعب الصامد في وطنه - لصانعي "يوم الأرض" ومظاهرات أيار وصبرا وشاتيلا.
لا يكتب التاريخ من فراغ، ولا تصنعه التصريحات والمقالات. يكتب التاريخ من تضحيات ومن نضالات. من مواقف عنيدة توحد أهل البلد في خنادق العمل البلدي والكفاح الوطني.
هي الناصرة، صمدت في وجه مخططات سلطوية لتفسيخ وحدتها وللنيل من صمودها وتحديها. هي الناصرة البلدوزر، في مسيرة متواصلة من الكرامة والخدمات ومن البنيان والاستثمارات. تقدمت رغم سياسات التضييق والإقصاء، وكانت القيادة الأمينة والحارسة الشجاعة لمصلحة أهل الناصرة، ولأهل الوطن الأصليين.هي الناصرة البوصلة، لسفينة النضال ولمرفأ الآمان.
لم تكن الناصرة لتصمد في وجه الموجات العكرة، لولا حكمة قادتها في جبهة الناصرة الديمقراطية، ولولا وتضحياتهم. لقد جسدت جبهة الناصرة، وما زالت، صدق القيادة وتفانيها ورؤيتها الثاقبة. وضمن هذا السياق الجماعي، قد تكون الميزة القيادية الأهم لجبهة الناصرة، وللراحل توفيق زياد ومكمل دربه رامز جرايسي، هي في طرح نموذج القيادة الوطنية المتوخاة، وفي رسم الطريق الأمثل لدفع النضال الوطني والبلدي، وللجمع الخلاق بينهما.
قد لا يختلف اثنان في قراءة الأوضاع الشائكة والمركبة التي يعيشها شعبنا، سواء في جزئه الواقع تحت الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو في جزئه الواقع تحت الاضطهاد القومي في إسرائيل. محاور هذه التحديات متعددة ومتشعبة. هناك المحور المركزي المتعلق بقضية تحرر شعبنا من قيود الاحتلال وإحقاق حقه الوطني بإقامة دولته المستقلة. هناك أيضا المحور المتعلق بحق الفلسطينيين في إسرائيل بتحقيق المساواة المدنية والقومية فيها كمجموعة قومية أصلية. إلى جانب هذه المحاور "الخارجية" هناك بالطبع المحاور "الداخلية" التي تقع في دائرة العلاقات المجتمعية الداخلية لشعبنا فتثقل كاهله وتصعد من مؤشرات التوتر، العالية أصلا لدية. وتتضمن هذه المحاور الداخلية، على وجه التحديد، الفئوية والجهوية المتفاقمة في المجتمع الفلسطيني وموقع الدين في الحياة العامة ومساواة المرأة وموقعها المجتمعي والسياسي بالإضافة إلى ظواهر العائلية والطائفية والعنف التي تتفشى من يوم لأخر بين ظهرانينا.
كل هذه المحاور، وغيرها، تحتم على أبناء وبنات شعبنا إفراز قيادات سياسية واجتماعية ترتقي إلى مستوى التحديات الوطنية والمجتمعية التي تهدد حياة شعبنا وعافيته، حتى تقوم هذه القيادة بمهامها القيادية المؤتمنة عليها على أكمل وجه، ولتشكل محط ثقة واطمئنان لأبناء شعبنا الذين أودعوا لديها أهم مراكز اتخاذ القرار على المستوى الوطني. ويبقى المحك الأساس لكل قيادة في مثل هذه المواقع وفي مثل هذه الظروف هو نهج العمل الذي تنتهجه هذه القيادة وأخلاقيات تصرفاتها.
في هذا الموقف المحوري لنا عبرة في مفهوم "القيادة" و"الزعامة"، لا أبالغ إن قلت أنها أصبحت مصيرية لنا جميعا في هذه الحقبة التاريخية من مسيرتنا. إن قيادة ترتقي إلى مستوى التحديات الوطنية الجمة الماثلة أمام شعبنا هي قيادة تعتمد على العمل الجماعي الوطيد والتعاضد الوطني. هي قيادة جماعية تغلب فيها الـ"نحن" الجماهيرية على "الأنا" الفردانية البغيضة؛ قيادة ترص الصفوف الداخلية وتوحد الطاقات والمشارب الوطنية؛ قيادة تستند إلى العمل الحزبي بشكل منهجي، تصغي إلى الرأي والرأي الأخر؛ قيادة تصون الكرامة الوطنية؛ قيادة تتناول قضايا الناس بمهنية تامة مستعينة بالمهنيين الاختصاصيين في بلورة أجندة أعمالها ومواقفها؛ قيادة خلاقة ومبدعة تواكب التطور الفكري وتجدد أدوات عملها إزاء التحديات المتراكمة؛ قيادة تضع الهيئة السياسية العامة فوق الاعتبارات الشخصية الأنانية؛ قيادة تعتمد على الجدل الموضوعي المسئول والبحث المعمق للقضايا الأساسية؛ قيادة تستند إلى قراءة مدروسة للواقع وللأخطار المحدقة بالناس؛ قيادة تضع خططا إستراتيجية للعقود القادمة وتضع خططا وسيناريوهات بديلة بحسب الحاجة وبمستوى التحديات والإخطار المحدقة.
هذا المفهوم القيادي هو برأينا في صميم الموروث الوطني الكبير الذي تركة لنا نهج توفيق زياد في القيادة والعمل السياسي، وهو ما يصونه ويطوره رامز جرايسي منذ توليه هذه المسؤولية. إن قدرة شعبنا على الحفاظ على هذا الموروث وتعزيزه حاضرا ومستقبلا من شانها أن تقرر في مصير شعبنا وفي جاهزيته الكفاحية.
البحر من حولنا هائج والأمواج عاتية، فهيهات لنا جميعا أن تفلت البوصلة من يدينا.
