يشهد مجتمعنا العربي في البلاد، خاصة في الأشهر الأخيرة، مظاهر عنف كثيرة تقلق بال كل إنسان تهمه سلامة مجتمعه وصحة أبنائه.
ففي كل يوم نقرأ ونسمع أحداث قتل يدمي القلب سماعها، وتفض مضاجع كل حريص على سلامة هذا المجتمع، وتجعل المرء يشعر بالخوف وعدم الأمان على نفسه وعلى أولاده وبيته وممتلكاته، فبعد أن كنا مجتمعا متآلفا متحابا يضرب فيه المثل بالمودة والتعاون وفي حرص أبنائه على بعضهم البعض، أصبحنا نخشى بعضنا بعضا، ولا نأتمن مكان إقامتنا، أو مكان تجوالنا وتنقلنا.
فعدا عن أحداث القتل في قرانا ومدننا في المثلث والجليل والنقب التي تعد بالعشرات تتوالى المعلومات عن اعتداءات بالضرب أو بإطلاق النار أو بالاعتداءات الجنسية، ناهيك عن حوادث السطو والسرقات والتخريب وحوادث الطرق التي تفوق عددها من حوادث ومخالفات في الوسط اليهودي.
المتأمل في هذا الواقع الكئيب يعتريه الحسرة والألم ويتبادر إلى ذهنه تساؤلات كثيرة وعلامات تعجب كبيرة; لماذا هذا الانحدار الشديد ؟ ماذا أصاب مجتمعنا حتى وصل إلى أن يقتل الابن أباه والأخ وابن الأخ أخاه وابن أخيه، ويطلق النار الواحد على الآخر؟! ذاك يقتل نفسه وهذا يضرب زوجته وآخر يدهس ويهرب وآخر يعتدي على الحرمات.. وعائلة أو طائفة تقتتل مع أختها وأمثلة كثيرة لا تحصى !!
صحيح أن العنف مستشرٍ في بلادنا بشكل عام، وأسبابه كثيرة ومعروفة غير أن مجتمعنا العربي كانت تحصّنه قيم، لو تمسكنا بها لما انزلق مجتمعنا لهذا المنحدر الشديد، لكننا تناسيناها واستبدلناها بعادات وأنماط مستحدثة بعيدة عن عاداتنا ومبادئنا.
إنني اعتقد أن أهم عوامل هذا الانحدار هو التربية البيتية، فالوالدان فقدا سلطتهما على الأبناء، حتى ضعفت ولم تعد لها فاعلية . ففقد الوالدان القدرة على ممارسة الحزم في التعامل مع أولادهم، والقدرة على وضع حدودٍ واضحة لهم، أصبح من النادر أن يجد الوالدان الوقت للتحادث مع أولادهم والإصغاء لمشاكلهم.
لا ننكر بأن لمشاكل الحياة ولهموم العمل والاقتصاد وللحالة المادية الصعبة دورا كبيرا في انشغال الوالدين، ولكن لا يمكن أن نتخذ من هذا الأمر ذريعة لإهمال تربية أولادنا.
كما أن هناك الكثير من البيوت التي يسودها العنف بين الوالدين، وأحيانا أمام ناظر الأولاد وعلى مسامعهم، كما يمارس العنف ضد الأولاد أيضا، مما يجعل الأولاد يتقمصون هذا النمط ليصبحوا بأنفسهم عنيفين. فالباحثون توصلوا إلى أن المعنّف في صغره يصبح عنيفا في كبره. هذا إلى جانب البيوت التي تحطمت بفعل إدمان المخدرات، أو الأنماط السلوكية الهدامة الأخرى، كما لا نستطيع أن ننكر دور وسائل الإعلام في تغذية الميل للعنف لدى أبناء الشبيبة من عرضها لجرائم الحروب البشعة وإسقاطاتها، وللأفلام والبرامج المليئة بالأحداث العنيفة.
هناك عامل آخر، هو الفراغ والتسكع في الشوارع وقضاء الوقت الكثير في المقاهي، مما يؤدي إلى التدخين، وخاصة النارجيلة، ومن احتساء المشروبات الكحولية، وإلى الإدمان على المخدرات. هذا بالإضافة إلى عدم وجود البرامج الاجتماعية الثقافية، والنوادي، وبيوت الشبيبة، والحركات الشبابية بأنواعها، والملاعب الرياضية الكافية والملائمة، التي لها دور كبير في تقليل ظاهرة العنف.
لم تسلم المدارس من انتشار العنف فيها، وقصرت يد المدرسين والإدارات عن معالجتها، وعن وضع البرامج الملائمة للحد من استفحالها، فكثيرا ما تخلو المدارس من الملاعب والقاعات والساحات، والأخصائيين النفسيين، هذا بالإضافة إلى تعاون الأهل الضعيف في مساعدة المدرسة على تنفيذ برامجها التربوية.
والسؤال الذي يسأل: كيف يمكن إنقاذ مجتمعنا من حالات العنف ليسترد عافيته ؟
بإمكاننا أن نقترح أربعة اقتراحات على سبيل المثال:
1. تحسين أداء التربية البيتية في إرساء أسس القيم الاجتماعية الايجابية مثل: التسامح والمحبة والعطاء واحترام الآخر، وذلك عن طريق تقديم مثال طيب في التعامل بين الوالدين وبيتهما وبين أبنائهما، فعلى الوالدين التقرب من أبنائهم والإصغاء لهم، والتحادث معهم وحوارهم وعدم استعمال العنف معهم، بل استبداله بالحزم، عن طريق عقد اتفاقيات مع أبنائهم، وملاحقتهم لتنفيذ هذه الاتفاقيات، أي توفير الجو الهاديْ المبني على التفاهم والحوار والثقة المتبادلة.
2. هناك دور هام للسلطات المحلية للإسهام في تقليل العنف، عن طريق إقامة المراكز الثقافية، والنوادي في الأحياء، والاهتمام بإقامة المعارض الثقافية والمسارح والعروض المسرحية لتثقيف أبناء الشبيبة ولتوفير أمكنة لقضاء وقت الفراغ والقضاء على ظاهرة التسكع في الشوارع، كما على السلطات المحلية أن تساعد المدارس على تقديم الخدمات النفسية والاستشارية للطلاب .
3. أخذ المدارس لدورها في التركيز أكثر على التربية، لتكريس أسس الديمقراطية والتعامل الايجابي بين الأفراد، وفي إقامة برامج تربوية وقائية ضد العنف واستعمال المخدرات، وفي ترسيخ قيمة الاحترام المتبادل بين المعلمين والطلاب وبين الطلاب أنفسهم، وفي تعميق التعاون مع الأهل وإشراكهم في حياة المدرسة.
4. أناشد أبناء الشبيبة التحلي بالأخلاق والسلوك الحسن ومحاولة حل المشاكل بالتفاهم والحوار من خلال احترام الآخر والرأي الآخر , ومراعاة حق السير في الشوارع والامتناع عن العادات الخطرة من استعمل المخدرات والكحول خاصة في السياقة، والتذكر دائما أنكم أمل مجتمعكم وعليكم مسؤولية في قيادته إلى طريق السلم والسلامة.
