حول قانون المقاطعة– الخلفيات والتداعيات

single

مصادقة الكنيست الإسرائيلية، هذا الأسبوع بالقراءتين الثانية والثالثة، على قانون "لمنع المس بدولة إسرائيل بواسطة المقاطعة" (ما اصطلح على تسميته بقانون المقاطعة) تعتبر خطوة خطيرة في سلسلة القوانين العنصرية وغير الديموقراطية، التي سنّتها الكنيست الحالية، والتي تستهدف المجتمع الفلسطيني في البلاد وكل من يعمل على مقاومة الاحتلال، أو كلّ ما يتعارض مع سياسة الحكومة الحالية، التي تعمل بكدّ ومثابرة لنقل ساحة الصراع والمواجهة من المستوى السياسي الديموقراطي، الشعبي والشرعي، إلى مستوى الملاحقة القانونية، والتجريم الجنائي للخصوم السياسيين.
ان قانون المقاطعة، الذي صودق عليه وشُرِّع بأغلبية كبيرة، رغم موقف المستشار القانوني للكنيست الذي أشار إلى أن القانون ينافي الحقوق الأساسية ويمسّ بـ "الخطوط الحمر" للنظام الديموقراطي، يشكل مسًا جوهريًا في الحقوق والحريات الأساسية للإنسان والمواطن، ويتعارض مع الأسس ومقوّمات الأنظمة الديمقراطية الحقيقية التي تضمن الحق بالتعبير عن الرأي، وتمنح حيزًا آمنًا للاحتجاج على سياسات الحكومة.
كما يأتي قانون المقاطعة لحماية المستوطنين والمستوطنات ولتكريس الاحتلال، خصوصًا وأن الحركة العالمية للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل (وهو ما اصطلح على اختصاره بالأحرف الإنكليزية BDS) أصبحت تلقى تأييدًا وتشجيعًا وتضامنًا واستجابة كبيرة. تهدف هذه الحركة إلى مقاومة مدنية عالمية ضد إسرائيل حتى تنصاع كاملا للقانون الدولي، والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وتحديدًا حتى تنهي أشكال اضطهادها الثلاثيّ الأبعاد لشعب فلسطين عبر:
- إنهاء احتلالها واستعمارها لكل الأراضي العربية وتفكيك الجدار.
- الاعتراف بالحق الأساسي في المساواة الكاملة لمواطنيها الفلسطينيين، وبحقوقهم الفردية والجماعية.
- الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم بحسب قرار الأمم المتحدة رقم 194.
إن الحق في التعبير والتظاهر والتنظيم والاحتجاج السلمي، غير العنيف، هو من الحقوق الأساسية للنظام الديمقراطي، والمس به يعتبر عملا مخالفًا للأسس الدستورية والمواثيق الدولية، وكذلك القيم الأخلاقية.
إن هذه التقييدات، تنتهجها الأنظمة التوتاليتارية غير الديموقراطية والتي تستغل قوّتها كأكثرية من أجل قمع وظلم واضطهاد الأقلية ثمّ سلبها حقوقها. فالديموقراطية الحقيقية لا تعني حكم الأكثرية وإنما حكم المواطنين في الدولة، والذي يضمن العدل والمساواة والحرية وحقوق الأقليات.
لا يتسع المجال، من خلال هذه المقالة، لشرح مفصّل حول أسباب ومبررات وضرورات استخدام المقاطعة في الظرف السياسي الحالي، لكن لا بد من الإشارة إلى أنه وبعد أن انتفض الشعب الفلسطيني مرتين، ونتيجة لتعنت الحكومة الإسرائيلية وعدم رغبتها في إنهاء الاحتلال واستمرارها في عملية الاستيطان والمسّ بالمقدّسات، وتبنّيها لسياسات عنصرية، كذلك نتيجة لعدم وجود قوة سياسية هامة ومؤثرة في اليسار الإسرائيلي تبقى وسيلة المقاطعة إحدى الوسائل الناجعة لرفع الوعي على المستويين العالمي والمحلي، وذات القدرة على التأثير.
من الجدير ذكره، أن سلسلة القوانين العنصرية، التي سُنّت، وتلك التي تنتظر المصادقة (مثل منع الجمعيات من الحصول على تبرعات من خارج البلاد وفرض ضرائب على الجمعيات، وإلغاء مواطنة المدانين بقضايا أمنية ومنح أفضلية في العمل بالقطاع العام لمن أدّوا الخدمة العسكرية وإقامة لجان تحقيق في عمل مؤسسات حقوق الإنسان..) تشير إلى أنّ المجتمع والسياسيين الإسرائيليين موجودون في حالة ضعف شديد، خصوصًا على اثر العزلة السياسية الدولية التي يواجهونها، كما يواجهون حالة من الخوف والتمترس. إن وهم القوة يقود الضعيف أحيانًا إلى اتخاذ خطوات غير عقلانية وغير مسؤولة، من الممكن أن تؤدي إلى إرباكه، وإضعافه وزيادة عدوانيته، كما أنها تجعله يعيش حالة متواصلة من الضعف والتوتر النفسيين.
من المفارقات الساخرة في زمن الأضداد، ومن أوجه الوقاحة أيضًا، أن تسمح الحكومة بمحاسبة مَنْ يحتج بشكل ديموقراطيّ ضدّ من يحتلّ أرضًا ليست له، وينهب ويسلب ممتلكاتها. وبذلك تبغي الحكومة تحقيق هدفين: الأول- تكريس الاحتلال والاستفادة من مقدّرات أصحاب البلاد الأصليين، والثاني- إسكات كلّ مَنْ يعارض هذا النهج وينتقده. كما وتسعى الحكومة إلى  إخافة وتهديد الناس ذوي الضمائر الحيّة كما الناشطين من أجل سؤدد العدل وثنيهم عن ذلك. لقد فشل هذا النهج في حالات عديدة خلال القرن العشرين، وعلى سبيل المثال لا الحصر: فيتنام، جنوب أفريقيا، الجزائر وفي حالة السود بأمريكا.
لقد استعملت الدعوة للمقاطعة من قبل السود في جنوب أفريقيا إبان نظام الأبرتهايد ومِنْ قِبَل السود في أمريكا إبّان نظام الفصل العنصري ونشاط حركة حقوق الإنسان، وفي كلتا الحالتين تم إحراز نجاحات وتطوّرات كبيرة.
في عام 1959 دعا رئيس المؤتمر الوطني الأفريقي إليسرت لوتولي، في بريطانيا، إلى مقاطعة نظام الفصل العنصري في بلاده قائلاً: إنّنا لا نطالبكم، أنتم الشعب البريطانيّ، بأيّ أمر خاصّ، نحن نطالبكم فقط بسحب دعمكم للأبرتهايد، عبر امتناعكم عن شراء البضائع الجنوب أفريقية.
في العاشر من كانون الأول 1962 أطلق لوتولي، الذي حاز على جائزة نوبل للسّلام مع مارتين لوثر كينغ، "الدعوة إلى العمل ضد الأبرتهايد" وجاء فيها: "إن أيّ حلّ يرتكز إلى العدالة لن يمكن بلوغه ما لم تُجبَر حكومة جنوب أفريقيا، عبر الضغوط الداخليّة والخارجيّة معًا، على قبول مطالب الغالبية غير البيضاء. إن الجمهوريّة الأبارتهايديّة ليست حقيقة اليوم إلا لأنّ شعوب العالم وحكوماتِهِ غير راغبة في أن تضع تلك الجمهورية في المحجر الصحّيّ".
إن هذا التصريح المتين لرمزين من رموز مناهضة القمع والفصل والتمييز العنصري، يكتسب أهمية خاصة في السياق الفلسطينيّ الراهن لأنّه يمنح المقهورين والمتضامنين معهم أملا في إمكانيّة تحقيق التحرّر والانعتاق من القهر، كما أنّه يقدّم نماذج ناجعة لنضالات مدنيّة تحقّق الإنجازات. أضف إلى ذلك، أنّه يؤكّد العلاقة بين الداخل والخارج ويعيد الثقة بوسائل الاحتجاج الجماهيريّ العالميّ.
التحدّيات التي تواجه المجتمع العربي، في البلاد، هي كثيرة ومتعدّدة وعلى ما يبدو فإن هذه التحدّيات ستتفاقم وتزداد في المرحلة المقبلة على اثر تغلغل الحالة الفاشيّة والمكارثيّة في السياسة والمجتمع والثقافة الإسرائيليّة والتي كما يبدو، سوف تستمر في اتخاذ خطوات قانونيّة وممارسات فعليّة لتأزيم الوضع أكثر فأكثر. إن هذا المشهد يحتّم علينا جميعًا، أحزابًا وأجسامًا تمثيليّة، مؤسسات مجتمع مدنيّ، قيادات وأفرادا، مراجعة أدائنا السياسيّ وتقييمه ثمّ استحداث وسائل وإستراتيجيات نضال جديدة بوسعها تحقيق أهدافنا الوطنيّة عن طريق درء المفاسد وصدّها وجلب المصالح العامة.
في ما يتعلق بقانون المقاطعة، لا بدّ لنا كمجتمع عربي، بالإضافة لنشاطنا القانونيّ ومحاولتنا الهامّة لإبطال القانون الجائر، من التنظّم الجماعي لتوعية الجماهير بأهميّة المقاطعة كحقّ وكوسيلة احتجاج وكذلك التوجيه حول كيفيّة تنفيذها، مع الأخذ بعين الاعتبار المحاولات الهامة التي رأيناها في السنوات الأخيرة لمقاطعة بضائع المستوطنات والمحلات التجاريّة العنصريّة في البلاد والتي لم تكن شاملة وواسعة وطويلة الأمد. كما يجب عدم تجاهل خصوصيّة موقعنا والمعضلات الحاصلة (مثل: هل يجب مقاطعة جميع المنتجات الإسرائيلية أم فقط ما يُنتج بمستوطنات أراضي الـ67 والجولان المحتلّ؟ هل يجب المقاطعة اقتصاديًا فقط أم ثقافيًا وأكاديميًا أيضًا؟) وهي معضلات نواجهها في حياتنا اليوميّة وتتطلب معالجة دقيقة حسّاسة ومسؤولة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشيخ جرّاح لأهله يا محكمة "العدل"!

featured

وردة من "الأمعري"

featured

الأبرتهايد مقدمة الدولة ثنائية القومية

featured

إعلان حرب على النقب

featured

علياء والوليد بن طلال

featured

السلطة تروّج للمقاطعة

featured

ليس السكوت من ذهب!!

featured

منطقة كارثة على بعد ساعة من تل ابيب