وردة من "الأمعري"

single
شارع رام الله – القدس الرئيسي يشهد حركة مركبات مضطربة. صافرات السيارات التي يطلقها السائقون تملأ الفضاء ضجيجًا وعصبيةً. فبعد عشر دقائق سيعلو صوت الأذان ويفطر الصائمون ويطوى يوم آخر من رمضان.
"في رام الله تصرف كأهل رام الله"، واستأذن أهل روما، فالقاعدة واحدة والسلوك محتوم. أخذت أزاحم بدوري لأصل إلى حيث ينتظرني زميلان كنت معهما على ميعاد لنذهب سوية إلى إفطار، لم أكن أعرف أنه سيكون بطعمٍ آخر.
للحقيقة، أعترف أنني لا أشارك إلا لماما في إفطارات رمضانية. فأنا على قناعة أن كثيراً من هذه الإفطارات تأتي لما تفرضه البروتوكولات والأعراف الاجتماعية. فالإفطارات الرسمية والمؤسساتية والحزبية تحمل، برأيي، أكثر مما تفرضه الحالة الرمضانية من مجاملات وتكافلات محببة. أقول ما أقول بتحفظ ويبقى الشأن شأناً شخصياً لا يعيب الظاهرة ولا المتظاهرين.
كانت الدعوة من زميل يعمل معنا في نادي الأسير الفلسطيني أسمه ناجي أبو حميد. بلباقة لا تترك لك حيزاً للرفض، أصر على مشاركته إفطاراً مع أبناء عائلته وفي بيته الكائن في مخيم الأمعري الراقد على فخذ رام الله، مشكلاً حالة ملتبسة بين أم وابنها الضال.
كان صديقاي ينتظرانني وبدون مقدمات اتجهنا إلى بيت الداعي. سلكنا بعض الأزقة المعتمة الخالية من البشر، حيث الهدوء والسكينة تذكراننا بحالات منع التجول في هذه المطارح، وما يشبهها من حالة تسود في مطارحنا ساعة يبث مسلسل باب الحارة.
على باب بيته يقف الداعي. يرحب بنا، أنا وقدوره فارس رئيس نادي الأسير والأخ أمين شومان من اللجنة الوطنية العليا للأسرى. ببشاشة طفل وفرح بوصولنا يدخلنا من باب بيته العادي البسيط. نسير بعض الخطى وفي ما يشبه المفاجأة تتكشف لنا حديقة خضراء ليست بكبيرة ولا بصغيرة، لكنها كانت ملأى بموائد تحلق حولها من وصل قبلنا من ضيوف.
ألقينا التحية، وكان معظم الضيوف من أصدقاء وزملاء الداعي والعاملين معه في وزارة الأسرى والمحررين وفي نادي الأسير الفلسطيني. كلهم، هكذا أعتقد، كانوا في الأسر الإسرائيلي. تعارفوا وتزاملوا من خلال تجربة، مهما تبدلت عليهم الأحوال والمناصب، تبقى هي المحور الرئيسي والعامل الأساسي الذي شكل وعيهم ومنظومة قيمهم الإنسانية والوطنية. إخوة في الهم والأمل والتضحية.
أجلس. لا أقاوم تجوال عينيَّ من فوق رؤوس جلسائي. خضرة في كل زاوية أنّى استقرت العيون. لا أثر لحجر ولا لإسمنت، فأسوار الحديقة مغطاة بما "تعربشها" من نباتات، بعضها أزهر بالليلك وبعضها أصر على خضرته. أحواض ملأى بالورود ورائحة النعناع تشق طريقها في الصدور.
غارقًا في بحر هذه الخضرة، قلت لنفسي آه يا ناجي! يا ابن المخيم! كيف استطعت أن تعبث بنا؟ كيف استطعت أن تقوِّضَ ما رسب من صدأ التاريخ وقيح الجرح؟ أما من ابن زيدون فلسطيني يتغنى بـ"زهرائك"؟!
دقائق وتمتد الأيدي إلى ما مُدَّ من طعام، أعد بذوق وبكرم وبلا غلو، تلته أطباق من الفواكه، تصدَّرها تين الحديقة وصبرها البلدي، وقطايف رمضان طبعاً.
قبالتي على الطاولة جلس سعيد العتبة، رجل مشرق لم تزده عقود الأسر في سجون الاحتلال إلا دماثة ونضرة وهيبة، مقابله جلس من سبقه إلى الحرية، الأسير "أبو السكر"، وعلى رأس الطاولة أسير سابق ووزير حالي في وزارة شؤون الأسرى والمحررين، عيسى قراقع.  كان الحديث عما تفرضه الحالة والجو والمكان. دقائق وساد صمت فيه من الرهبة قسط ومن الاحترام أقساط.
دخَلَت بثوبها الأسود ورأس مغطى بمنديل أبيض موشى بخطوط سوداء يكشف وجهاً لا يغلب عليه الفرح ولا يقنعك بحزن. وجه يفيض بعزة وسكينة وأمنية.
هي لطيفة، واسمها لطيفة، أم ناجي صاحب البيت والدعوة. بارتباك تطلق تحيتها على المدعوين. كاميرا تلفزيون فلسطين تزيدها إرباكاً ولا تشيح عنها. يقف الحضور لتحيتها. تقف ويصطف حولها ضيوفها وبسرعة البرق يتناول عيسى قراقع درعاً يقدمه لها وكذلك يفعل قدوره فارس. تلاهما عميد الأسرى المحرر سعيد العتبة بتقديم مجسم للقدس، كان قد صّنعه داخل جدران السجن، كما أملاه الحلم وخططته الأمنية.
أم يوسف/لطيفة دخلت عقدها السابع. رزينة، هادئة. أربعة من أولادها يقضون في سجون الاحتلال أحكاماً بالسجن المؤبد. ناصر، نصر، شريف ومحمد. شكراً لمجيئكم إلينا قالت أم يوسف، وأردفت "رفعتم معنوياتي والله" "كأنني مع ناصر اليوم" "سيزول الاحتلال حتماً" "كل شبل يحرر وكل أسير يحرر كأنه ابني المحرر"، قالت، وهي تنظر إلى سعيد العتبة.
لا مرارة ولا تأفف. بسمةٌ لبست وجهها كالنسمة عندما قالت: "خمس وعشرون عاماً وأنا أزور السجون. منذ عشرين عاماً لم أحظ بلمة وجلسة مع جميع أبنائي ومنذ خمس سنوات تمنعني إسرائيل من زيارتهم لأسباب أمنية، لا أوحش ولا أبغض من هذا الاحتلال".
تنظر إلي وتقول: "هل تتذكر يا أستاذ لقد دافعت عن ناصر أول مرة عندما أعتقل وهو ابن أربعة عشر عاماً". أكابد لئلا تلحظ دمعة ترقرقت في عيني. تمنيت لها طول العمر والإفراج عن أبنائها. تحاول مقدمة برنامج "لأجلكم"، الأخت منال سيف، أن تحاور "أم يوسف" لتأخذ منها أكثر، لكنها تأبى إلا أن تبقى مقلة، قانعة وشاكرة.
يتندر الحاضرون على سني اعتقالهم، خاصة تلك التي جمعتهم مع أبناء أم يوسف وهي تودعنا وتتمنى علينا أن نعود لنزورها.
أودع الأخوة وفي طريق عودتي يلح علي التساؤل، ما هذا اللؤم كله عند من يمنع لطيفة من زيارة فلذات كبدها؟!، وأعاهد نفسي أن أعود لزيارة تلك الوردة في بستان مخيم الأمعري.
قد يهمّكم أيضا..
featured

إضراب السلطات المحلية المفتوح : الأسباب والمطالب

featured

كشف المضمون: إسرائيل ككيان استعماري ودور الغرب في المنطقة

featured

مشروع "تبييض" عصابات التكفير..

featured

واوي بلع منجل ...

featured

نحن العنوان الواضح والصادق

featured

عمت صباحًا يا سميحُ