دمعتان ودمعة

single

  وتصرخ ندى: "بابا... لوين أخدوه...؟ ...كله دم... أحمر كتير...!"
وينتفض جسد الطفلة طيرا جريحا...تتشنج أطرافها...ينطلق صراخها الهستيري ليخترق عمق الأسوار الصامتة...
تتصدع حجارة الأسوار ...
يحدث هذا كل أصيل...كلما مالت شمس القدس الى الرحيل...
تحدق ندى بعينين زجاجيتين ...تتسع العينان فزعا ...صورة وجه والدها ملطخا بدمه، تتسارع الصور رهيبة...
فوهة البندقية العمياء مشرعة في وجه شقيقتها ريم ابنة الثلاثة...تنهار أرضا ...الجندي الحديدي ينهال بكعب البندقية على رأس والدها، تستشعر ندى ألم الضربة، تشد على قلبها... يتدفق شلال دم على وجه أبيها وملامحه...
تمسح صابرين حبات العرق التي رشح بها جبين ندى، بعد صراخ هائج لا يتوقف الا بتشنج أطرافها وتحجر عينيها... يضمها الجار الى صدره مهرولا بها الى مستشفى المقاصد القريب ..."لن يفيدها شيء يا ولدي... فقط حقنة المهدئ من الطبيب" تقول الجارة أم يوسف وتضرب كفا بكف "وشو ذنب هالأطفال يا علي ... أي يخافوا ربهم عاد...يا ألله رحمتك!"
وتنطلق سيارة الاسعاف بصفيرها المدوي يمزق صمت المدينة العتيقة...تتنهد صابرين عميقا قلقة على ضناها، تنظر عبر النافذة الى البعيد...البعيد...تترقرق دمعة حرى على وجنتها الشاحبة... الأزقة رابضة أمامها بذكريات عصية النسيان... في استراحة محارب بعد نهار هادر بالحجارة والرصاص واختناقات الأطفال...
كان يا ما كان... مدفأة وطفلتان...ريم وندى فراشتان تلعبان... العينان عسليتان ...عميقتان كالحب...تقفزان بشقاوة عصافير بلادي: "احزري بأية ايد؟ هاهاها.... "في هاي" هاهاها "لأ ... هاهاها"، وتميل جديلة العسل بدلال يمنة ويسرة... أرجوحة عيد.
والضحكات رنين بلور تصحي ألف عصفور نائم في صدر الأم صابرين...
تتذكر ...هي وكرسيها الهزاز تغزل صوفا سكبت فيه قلبها لطفل في المعتقل...طرقات رعب تغتصب أمن بيتها ...قبضات الجنود الهمجية
والدم...والذعر في عيون طفلتيها والصراخ... داسوا على رأسه بأحذيتهم الثقيلة الملوثة، ورأسه ظلت عالية... حاولت أن تجمع نفسها عن الأرض لكن الألم في ساقها خذلها، أثر ضربتهم اللئيمة... حانت منها التفاتة الى عيني زوجها صوان الغارقة بالأحمر فألفت فيهما قوة... وما لبثت أن رأته يعلو... ويتطاول فوقهم... وكيف ترنحت هي ..." يا ناس..." وانتفض الحي ينجدها... تذكرت صابرين كيف شاهدت قمر القدس مذبوحا على كتف سورها ...تلك الليلة العصيبة... طرقات الباب خفيفة هذه المرة... تفتح ليدخل الجار وندى على صدره يضعها في سريرها...تمسح جبينها ..تلاطفها ريم دون استجابة منها، ظلت عيناها العسليتان شاخصتين... لم تعد ريم وندى فراشتين تلعبان... شغلهما تساؤل يكبرهما "ماما ...بعد فيه دم على وجه بابا؟ مين بعمله أكل؟ وين هو هلأ؟ ايمتى برجع؟".
تنظر ريم الى وجه ندى الناعم...تشتاق للعبة "احزري بأية ايد؟ "تقترب من النافذة... ترمقها الحمامة الراقدة هناك على بيضها بعينين براقتين وتوشوش في أذنها: "بابا سيعود... مع شروق الشمس"
(عكا)
(من وحي ما رواه شاهد عيان من صحافيي القدس عن تجاوزات الجنود... في مؤتمر صحفي)
قد يهمّكم أيضا..
featured

تواطؤ الأنظمة "من تحت الطاولة"!

featured

"تواقيع على الرّمل": كتاب يهم جميع أبناء شعبنا

featured

الإنسان :بين رحى الذاكرة والنسيان*

featured

التنسيق الأمني وفستان هيفاء وهبي

featured

لا يكفي أن نعرف الهدف ونرغب به

featured

هل مات خالد ليثبت لنا أنّ من بعده حياة؟!