الراحل مناع خطيب. رفيق الياسمين الباسم
عذرًا محمود درويش... ها قد صار الزيت دمعا.. بعد أن سقطت آخر شجرة زيتون، راسية جذورها عميقا في أرض بلادي، شامخة علو الشمس..
مرّ شتاؤها السنة متألما، غمرتها دموع السماء حتى الارتواء فأثمرت من جديد، لكن ربيعها لم يأتِ متألقا كعادته، لم تضحك شمسه لتغازل أغصان زيتونتنا، لم تمازحها لم تناجها.. بل بكت..
لم يأتِ الربيع كما كان بثوبه الأخضر مغمورا بزهر اللوز وعبق الياسمين والزعتر... ولم يعد جدي معنا ليشعل بيد سيجارة وبالأخرى يحمل فنجان القهوة المهيَّلة ونحن نتحلق حوله صغيرنا قبل الكبير لنرهف السمع إلى حكاياه وطرائفه الجميلة..
لم يأتِ الربيع السنة راقصا ولا ضاحكا، أتانا على عجل بعد أن نفض عطوره وصفاءه وشرّع أبوابه للخريف، لتسقط آخر شجرة زيتون.. تسقط واقفة.
ليس قبل أن تثمر أطيب الثمر..
أثمرت أمي الحنون، أثمرت أخوالي لهم قلبي..
وأثمرت حبًا للناس، كل الناس أثمرت حكمة وحضورا مميزا أثمرت طيبة وكرامة...
وأثمرت دموعنا الحارقة..
سيدي منّاع، منّاع أنت حقًا، بصمودك، قاومت المرض بشجاعة حتّى اللحظة الأخيرة، كما قاومت ذات يوم طائرة المحتل ببندقيتك، أنت تصوب إلى الأعلى وهي ترش الأرض حولك، رويت لنا كيف تخرّم قمبازك الأبيّ ولم تخدش أنت.. تنفسنا الصعداء عندما أنهيت الحكاية، الحمد لله أنّ سيدي مناع ما زال بخير..
لكنّه لم يعد بخير.. هزمه المرض .. وأراحه إلى الأبد..
فتلاشت رائحة الياسمين البلدي حزنا على رفيقها منذ زمن بعيد بعيد، قبل الاحتلال وقبل الانتداب..
رفيق الياسمين الباسم كان جدّي بعطره الأخاذ، بثوبه المنشّى، بكوفيته الناصعة وعقاله الشامخ، بحذائه الملمّع.. رفيق ذكريات الوطن الباكي جدّي.
وجدّي للذي لا يعرفه - وهل هناك من لا يعرف جدّي؟- هو آخر زيتونة في فلسطين، هو شيخ شابّ، له ابتسامة طيبة تغفو تماما تحت شاربين متواضعين، هل تعرفون تواضعا راقيا كتواضع جدّي؟
جدي كان "برنجي" .. كان يستعمل هذه الكلمة كلّما أعجبه شيء..
لا ليس فقدُ الشباب وحدهم ما يلوّع القلب، فهذا جدي هو تاريخي، تاريخنا، ودمه الطاهر يجري في عروقي؟ أفلا اشتاق له؟ أفلا أبكيه ؟ أفلا أبكيه؟
وداعا سيدي منّاع...
وداعا يا آخر الأشجار الصامدة.
حفيدتك الأولى.
()
