(يجب إعادة المعادلة إلى حدّيْها الأساسيّيْن: الشّعب مقابل الاحتلال)
(1-2)
وأقصد على وجه التّحديد سلطة فتح في الضّفّة الغربيّة أوّلا، وسلطة حماس في قطاع غزّة ثانيًا. وهما لا تشكّلان دولتيْن ولا دولة ولا شبه دولة، وبانقسامهما أبعدتا الاحتمال في إقامة الدّولة التي تصبو إليها آمال الشّعب الفلسطينيّ، وأسهمتا في تقويض الحُلم القوميّ الفلسطينيّ وأخّرتا تحقيقه إلى أمد بعيد، ولكنّه منظور، والذي سيُحقّق بالعزيمة الفلسطينيّة الشّعبيّة التي لا تكلّ وبالنّضال الشّعبيّ الذي لا يلين، والشّعب قائد لا يسعى لسلطة ولا لنصف سلطة ولا لشبه سلطة.
كلتا الحركتيْن في منطقة نفوذها تحاول كسب الوقت وتمديد فترة الانقسام لتطول فترة حكمها ونفوذها واستئثارها بالسّلطة، وكلتاهما تفعلان ذلك على حساب قدرة الاحتمال الهائلة للشّعب الفلسطينيّ، وكذلك على حساب كرامته وإطالة أمد احتلال مقدّراته جميعًا وإبعاد إمكانيّة تحرّره واستقلاله.
كلتا السّلطتين تدّعيان العمل من أجل مصلحة الشّعب الفلسطينيّ، وهذا الإدّعاء برئ من الصّحة براءة الذّئب من دم يوسف.
كلتا السّلطتيْن تغلّبان المصلحة الفئويّة الحركيّة على المصلحة الوطنيّة العليا، وذلك جليّ من خلال عدم تكريس كلّ الوقت والجهد للتّغلّب على الانقسام، أنا أشكّ بل أتّهم أنّ الفريقيْن يحقّقان مكاسبهما الضّيّقة ويهيمنان على المقدّرات الفلسطينيّة فقط، وأكثر من ذلك، فمن الممكن أنّهما تفعلان ذلك بالاتّفاق، وأنّهما باتتا تفضّلان الانقسام والاستئثار، كلاًّ في ضيعته طالما لا شيء يتحقّق أو ينجز وفقًا للظّروف العربيّة والإقليميّة والدّوليّة.
نعم كلتا السّلطتيْن تشكّلان عقبة أمام تحرّر الشّعب الفلسطينيّ، وكلتاهما أيضًا عاملان سلبيّان يعيقان الوصول إلى حلّ يحقّق الأماني الوطنيّة المشروعة للشّعب الفلسطينيّ، ولذلك حان الوقت لتغادرا المشهد السّياسيّ والخريطة الوطنيّة التي أعدّها ويعدّها الآن الشّعب الفلسطينيّ، وليس ما تعدّه الرّباعيّة المحنّطة أو المحور الأمريكيّ المعادي أو نُظُم الاعتدال الخائنة أو قيادتا سلطة فتح وسلطة حماس المنقسمتيْن والعاملتيْن على كلّ شيء إلا على المصالح الوطنيّة العليا للشّعب الفلسطينيّ. إنّ على هاتيْن القيادتيْن الحاكمتيْن في الضّفة والقطاع أن ترحلا الآن إذا أرادتا أن تقدّما خدمة وطنيّة للشّعب الفلسطينيّ، تجعل لهما ذكرًا إيجابيًّا في التّاريخ الفلسطينيّ، وإلاّ فالنّهاية ماحقة جدًّا، وفقًا للرّياح العاصفة التي هبّت وشبّت على العالم العربيّ وما زالت في عنفوان هبوبها وشبوبها، ويبدو أنّها ريح صرصر لن تبقي نظامًا قديمًا ولن تذر خنوعًا وقمعًا ولن تدع انقسامًا، وهذه الرّيح ليست بعيدة عن فلسطين ماديًّا ومعنويًّا، فالنّظام هو النّظام والقمع هو القمع والخنوع هو الخنوع والشّعب هو الشّعب والظّروف هي الظّروف والثّورة هي الثّورة، وفي حالة الشّعب الفلسطينيّ زد على ذلك جميعًا الاحتلال.
حالة التّحرّر التي تعمّ العالم العربيّ الآن وانتصار قوى الثّورة والتّغيير بخلع الأنظمة العميلة لأعداء الشّعوب والقامعة لحريّاتها في تونس ومصر ورحيل الرّئيسيْن بن علي ومبارك، ليست حالة خاصّة بهذيْن النّظاميْن أو الدّولتيْن، بل تنسحب على كلّ ظروف مماثلة، ليست فلسطين بعيدة عمّا يجري، إنّ حسابات التّاريخ ومعادلاته لا تميّز بين شعب وشعب عندما تتراكم الظّروف وتختمر الدّوافع. إنّ الذين منعوا الشّعب الفلسطينيّ المقموع بالاحتلال والمقموع بالسّلطتيْن لا يمكن إلاّ أن يكون هذا المنع تراكمًا جديدًا ودافعًا جديدًا. كيف يمكن أن نفهم حرمان شعب محتلّ مظلوم من أن يمارس فرحة تضامنه بالتّظاهر مع شعبيْن شقيقيْن، ساهم نظاماهما المخلوعان بتكريس الاحتلال عن طريق تخلّيهما عن حقوق الشّعب الفلسطينيّ، بانحيازهما وارتباطهما الكامل بمشاريع السّياسة الأمريكيّة التي تصبّ في خدمة المصالح الاسرائيليّة، وأبرزها تخليد الاستيطان والقمع والاحتلال وحرمان الشّعب الفلسطينيّ من تحقيق حقوقه المشروعة والمعترف بها دوليًّا، إنّ نظامًا ينسى شعبه ولا يرتبط بنبضه ومشاعره وظروفه وأوضاعه المعيشيّة وكرامته الوطنيّة، بل يربط مصيره بأميركا وإسرائيل لن يدوم، وماذا ستقدّم له أميركا وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهو يسحل ويستجدي إنهاء الفترة الرّئاسيّة الرّاهنة، لا تقدّم له أميركا إلا النّصائح بالرّحيل، وشتّان ما بين دوافع النّصيحة الإمريكيّة ودوافع المطلب الثّوريّ الشّعبيّ للجماهير المصريّة.
لقد وضعت سلطة فتح في رام الله كلّ مقدّراتها في سلّة المشاريع الأمريكيّة، وارتبطت بمفاعيلها واذدنبت بأذنابها، وباتت تنتظر الفتات البطيء والمنح التي تذلّ الرّقاب الوطنيّة وتلوي الأذرع المقاومة، وباتت أيضًا رهينة لمطالبها المضادة لمنطق الحلم والوحدة، ومنها مطلب عدم المصالحة الآن، وفتح تقبل وحماس تسعد لهذا القبول.
إنّ إطالة عمر الانقسام هو خدمة جليلة تقدّمها السّلطتان إلى حكومة الاستيطان والاحتلال والتي تحظى بالدّعم الأمريكيّ الكامل. ولا تقلّ حماس إهمالا وطنيًّا في كونها لا تسعى جاهدة لإنهاء الانقسام، ومن أجل تقوية الموقف الوطنيّ الفلسطينيّ، وأظنّ أنّ إضعاف سلطة فتح أمام إسرائيل لأهمّ عندها من تعزيز الموقف الفلسطينيّ الوطنيّ وترشيد طريقه، فتقوية موقفها الحركيّ أهمّ عندها، وكلّ ذلك لتصل إلى السّلطة من جديد، فنكون قد غيّرنا قديمًا بقديم وطربوشًا بطربوش، وليس هذا هو المطلوب وطنيًّا، لا التّاريخ ولا الشّعب الفلسطينيّ سيرحمان هاتيْن القيادتيْن على ما تقترف أياديهما الحركيّة الفئويّة من تهاون في المقدّرات الوطنيّة للشّعب الفلسطينيّ وفي ركود قضيّته حاضرًا، وما لذلك من انعكاسات سلبيّة على مستقبله السّياسيّ. أمّا التّصريحات التي نسمعها من الجانبيْن بخصوص إنهاء الانقسام فهي غير مقنعة وغير جادّة وغير صادقة أيضًا، بل مزوّرة ومعلّبة بعلب هشّة ومكشوفة وليست فلسطينيّة الصّنع، وما هي إلا للاستهلاك المحلّي في السّوق الفلسطينيّة والتي لا يشتريها ويدفع أثمانها الباهظة وطنيًّا ومن كرامته ومن مستوى معيشته وخبز أطفاله إلاّ المواطن الفلسطينيّ الغلبان.
إنّ السّلطة الفلسطينيّة في رام الله لم تجئ لتحكم الشّعب الفلسطينيّ بالأساس بل هي سلطة وطنيّة جاءت لتدير الصّراع مع العدو من موقع آخر وبآليّة أخرى، هذا هو الأساس، بعد إمكانيّة الكفاح المسلّح وإمكانيّة الانتفاضات الشّعبيّة، وقد كان وضع الشّعب الفلسطينيّ وقضيّته في الإمكانيّتيْن السّابقتيْن أفضل سياسيًّا ووطنيًّا وعربيًّا ودوليًّا. وهي الآن تحكمه وتسيّر أعماله فقط لا غير، فهي أشبه ما تكون بسلطة محليّة ترعى مصالح النّاس المدنيّة اليوميّة، وليس هذا هو المهمّ، وهي الآن لا تدير صراعًا ولا تدير حوارًا مع أحد، وتعاقب وتدين كلّ من يوجّه عصا نحو إسرائيل، حتّى البدائل السبعة لا نرى لها تفعيلاً، ولا يمكن لسلطة فتح أن توقف نضال الشّعب الفلسطينيّ وتحصره في انتظار الدّولة الأمريكيّة اللاتينيّة القادمة التي ستعترف بالدّولة الفلسطينيّة، على أهميّة ذلك ومع احترامنا لمواقف تلك الدّول وحكوماتها وشعوبها.
المهمّ الآن ودائمًا إلى أن يتحقّق هو قيادة الشّعب الفلسطينيّ إلى كنس الاحتلال ومن ثَمّ الاستقلال والحريّة والدّولة والعاصمة، وهو ما لا تستطيع فعله السّلطة الفلسطينيّة بالأسلوب الذي انتهجته، وهو المفاوضات التي تقود إلى السّلام مع دولة حكوماتها وبخاصّة الحاليّة لا تؤمن بالسّلام، بل تحاول دائمًا أن توصل الشّعب الفلسطينيّ إلى الاستسلام بفرض حقائق على الأرض من خلال السّلب والنّهب للثّروات وبخاًصة الأرض، مستغلّة الظّرف الدّوليّ السّافل والدّور العربيّ البائس والسّلطة الفلسطينيّة التي أجهضت وبدّدت كلّ أسباب القوّة الماديّة والمعنويّة الكامنة في الشّعب الفلسطينيّ، والتي أثبتها للعالم على طول عقود نضاله السّاطع، والتي لم تستطع كلّ وسائل الظّلام من أن تحجب نوره وعدالة قضيّته ومصداقيّة طموحه الوطنيّ والقوميّ.
سبعة عشر عامًا من التّفاوض على التّفاوض في التّفاوض من أجل التّفاوض المباشر للخروج إلى غير المباشر ومن ثَمّ للبدء في التّفاوض المباشر من بعد الانتهاء من غير المباشر لدفع عجلة السّلام التي توقفها إسرائيل دائمًا ويُتّهم العرب والفلسطينيّون في إيقافها ويُطالبون بإيجاد مخارج، والمخارج تعني تنازلات عربيّة وفلسطينيّة. أيّة دوّامة وضعوا الشّعب الفلسطينيّ فيها؟ وماذا تحقّق على المستوى الوطنيّ؟ لا شيء! لم نشهد أيّة مكاسب، على العكس أرحنا الاحتلال من همّنا، ومن كلّ ما يحرجه أمام العالم والرّأي العام وهو يحكم من قريب، أمّا الآن فهو يحكم من بعيد، فلا يُحرج ولا يخسر، وأطلقنا له العنان ليهدم لنا ويبني له، ليعتقل وليبعد وينهب وينتهك وليقتل ويدمّر. ولقد شهدنا تراجعًا إسرائيليًّا وأمريكيًّا وعربيًّا عن كلّ الانجازات التي حقّقها الشّعب الفلسطينيّ في المرحلتيْن السابقتيْن وحتى عن الفترة التي كان فيها القائد ياسر عرفات رئيسًا للسّلطة الفلسطينيّة، وشهدنا على طول فترة المفاوضات بعد عرفات تنازلات فلسطينيّة معلنة وغير معلنة.
(كابول)
