*لرفيقتي وزوجتي مريم خوري "ام عايد" في ذكرى الاربعين*
هل تصدقون ان شراكة زوجية دامت 64 سنة بدون أية مشاكل وان حدثت فإنها لا تدوم اكثر من ساعة وكل هذا بفضل الزوجة، هذا ما حدث لنا طيلة هذه الحياة خلال هذه السنين من الحياة المشتركة.
المرحومة زوجتي مريم خوري "ام عايد" عاشت طفولتها و صباها في بيت اهلها يتيمة الاب بحاجة لمن يعيلها ويعيل والدتها وإخوتها الاصغر منها سنا في وضع فقر عام لغالبية اهل القرية الذين يعتمدون في معيشتهم على العمل عند مالكي الارض الكبار.
وبصفتها كبيرة اخوتها وبرعاية والدتها العجوز كان من الطبيعي تحملها العبء الاكبر للعيش وتحصيل اللقمة من اجل الاستمرار في الحياة في الخدمة عند الفلاحين الكبار وليس هناك طريق آخر.
في يوم من الايام وبعد زواجنا بفترة قصيرة جاءتني وبضحكة خفيفة استغربت ذلك، "غريبة يا مريم شو في.. قالتلي خد شوف يا وديع مرتك صارت كاتبة قصص شوف اذا بتصلح للنشر في الجرائد مثل باقي القصص التي نقرأها في جريدة" الاتحاد" وكان بيدها دفتر(12 ورقة) كالذي كان يستعمل في المدارس في حينه والدفتر مليء كتابة من أوله لآخره.
وما كتبته كان قصة فتاة تعيش مع والدتها وأخيها وأختها الاصغر منها سنا كان العبء الاكبر ملقًى عليها للاستمرار في حياة فقر مدقع اضطرتها ان لا تعيش عيشة اسعد مما هي بل مجبرة ان تعمل وتكبر في بيوت الاغنياء من الفلاحين الكبار وفي ارضهم مرغمة بصفتها يتيمة الاب منذ صغرها وان تتحمل هي العبء الاكبر في العائلة كانت مريم فتاة خجولة امينة صادقة صريحة بكل معاني الصدق والصراحة.
قلت لها "قصتك هذه برأيي ممتازة جدا وتصلح للنشر ليس في جريدة واحدة فقط" فضحكت مريم مرة اخرى وقالت لي: بتعرف يا وديع اريد ان اقول لك بصراحة إن هذه ليست قصة خيالية هذه قصة حياتي وحياة امثالي في هذه الدنيا هذه قصة طفولتي وصباي وليست قصتي وحدي هذه قصة الاكثرية الساحقة من بنات جيلي في ظروف الفقر وحياة الذل والاهانة. اردت بهذه القصة ان تكون مطلعا على بعض ما يجري لأكثرية ابناء هذا الجيل في حينه وأنا منهم. وسردت لي الكثير مما حدث في صباها بشكل صريح .
اندمجت المرحومة بالعمل السياسي بعد ان رأينا في الحزب الشيوعي ضرورة دمج العنصر النسائي في العمل بجانب الرجل، وهكذا ساهمت مع غيرها من رفيقات الحزب بتأسيس حركه تنظم العمل بين النساء ونشطت الحركة وبرزت كثيرا في الأعمال الاجتماعية. وكانت مريم مع غيرها يساهمن في توعية النساء بضرورة الوقوف الى جانب الرجل في مجالات الحياة كافة.
ومن ضمن هذه النشاطات التظاهر ضد الحكم العسكري ونظام التصاريح في الخمسينيات من القرن الماضي، المطالبه بفتح عيادة صندوق المرضى العام بعد ان كان على المرضى الذهاب الى شفاعمرو للعلاج، وكذلك المطالبة بعدم التمييز بين المدينة والقرية في تخصيص المواد الغذائية الأساسية على السكان التي كانت سارية في حينه بسبب النقص في تلك المواد في الدولة بشكل عام، والتي كانت توزع شهريا مثل السكر والرز والطحين وغيرها و قد نجح النضال من اجل تحقيق هذه المطالب. وساهمت في الاجتماعات الجماهيرية التي كانت تجري في عبلين او الناصرة او حيفا وحتى تل ابيب.
ولا انسى صفتها كمستقبلة او مستضيفة لرفاقنا الشيوعيين القياديين الذين كانوا يزورون فرعنا من اجل انجاز بعض الامور الحزبية واضطرارهم للمبيت في عبلين لعدم امكانية عودتهم الى بيوتهم في تلك الليلة. وهناك الكثير والكثير مما يجب ان يكتب او يقال عنها، وهذا هو عزائي في رحيلك الابدي ايتها الزوجة الشريكة الرفيقة والحبيبة.
(عبلين)
