ما زالت قضية لجنة قاضي المحكمة العليا تسفي طال المعروفة باسم "لجنة طال" تتفاعل في اوساط الحلبة السياسية الإسرائيلية. ففي مطلع الاسبوع الماضي اعلن نتانياهو عن حل لجنة بلسنر المسئولة برلمانيا عن تطبيق مقترحات "لجنة طال" بعد ان انسحب حزب ليبرمان "واحدوت هتوراه" من هذه اللجنة.
وهنالك فرق شاسع بين اسباب انسحاب حزب ليبرمان من هذه اللجنة وبين معارضة الاحزاب المتشددة دينيا لها والتي هي جزء من ائتلاف حكومة نتانياهو، فليبرمان وحزبه "اسرائيل بيتنا" ينادي بتطبيق الخدمة المدنية الصارمة ايضا على العرب وانسحابه من لجنة بلسنر جاء ضمن هذا الاطار وكي يشكل مزيدا من الضغوطات على حكومة نتانياهو.
ويأتي انسحاب الاحزاب المتدينة نتيجة رفضها القاطع والمطلق لمقترحات "لجنة طال"، وتطبيق التجنيد الالزامي على اليهود المتزمتين (الحريديم)، اما الخلاف والشرخ الراهن والذي يتفاعل داخل الحكومة الإسرائيلية وادى الى تهديد موفاز زعيم كاديما بالانسحاب من الائتلاف الحكومي فجاء مباشرة بعد حل نتانياهو لجنة بلسنر وعدم التشاور مع موفاز، وعلى خلفية مطالبة موفاز المتكررة من نتانياهو بان يتجاهل مطالب الاحزاب الدينية المتزمتة وحزب ليبرمان وان يمضي قدما في تطبيق توصيات القاضي طال بتجنيد المتدينين والعرب.
لقد اثبت قرار حل نتانياهو لجنة بلسنر المسئولة عن تطبيق مقترحات التجنيد الى انه ما زال يدين بالولاء للمتدينين، وانه لا يعتمد بشكل كاف على شركائه الجدد في الائتلاف الحكومي من حزب كديما، ومع ان ائتلافه يعتبر كبيرا وضخما ويتكون من 94 عضوا إلا انه يريد الاعتماد بالأساس الآن ومستقبلا على الاحزاب الدينية.
إن هذا الاعتماد المطلق لنتانياهو على المتدينين، سوف لن يؤدي الى تجنيد المتدينين للخدمة ألعسكرية ولن يؤدي الى أي حل سلمي مع الفلسطينيين لان نتانياهو والأحزاب الدينية واليمينية الراديكالية المتطرفة التي صعدت على سدة الحكم منذ عام 2001 سوف لن تقبل بأي تنازل للفلسطينيين عن اجزاء من فلسطين التاريخية او عن اجزاء من ارض اسرائيل الكبرى حسب المفهوم التوراتي.
كما يمكن القول بان اي توقعات من ان يقوم المتدينون المتزمتون - في ظل ادارة نتانياهو الحالية - بتأدية الخدمة العسكرية او الخدمة المدنية هي توقعات غير عملية. فأي فرض للخدمة المدنية او غيرها بالقوة على هؤلاء، سوف يؤدي بالتالي الى تمرد مدني. وانشقاق ضخم في المجتمع الاسرائيلي لا تحمد عقباه.
اما اولويات الامن القومي الاسرائيلي حاليا وخاصة من خلال فتحها لعدة جبهات وعلى الصعد كافة، فان فتح ملف الصراع الاهلي هو غير وارد في حسابات نتانياهو وخياراته الامنية.
وكان ايهود باراك عندما شغل منصب رئيس حكومة اسرائيل قد اقر في 25 آب 1999 تشكيل لجنة طال والتي ترأسها آنذاك قاضي محكمة العدل العليا تسفي طال، وهدفت هذه اللجنة الى بلورة قانون يعطي حلولا لخدمة الحريديم (اليهود المتزمتين) في اطر الجيش الاسرائيلي. إضافة الى ايجاد مسارات مهنية وتعليمية تسمح بالخدمة العسكرية "للفارين" المتزمتين من الجيش والذين لا ينخرطون في اي اطر تعليمية ام مهنية.
ويعلم الساسة الاسرائيليون علم اليقين بان مقترحات طال سوف لن تغير الواقع المتعلق بعدم خدمة شريحة المتدينين التي تصل الى 50% الى صفوف الجيش الاسرائيلي ولكن التلويح بهذه المقترحات الآن يهدف الى تحقيق هدفين اساسيين وعمليين هما:
1- السعي الى تجنيد نسبة معينة ولو بالقليلة من هؤلاء المتدينين الى الخدمة العسكرية.
2- ايقاف الوضع الراهن والمتعلق بهروب عشرات الآلاف من المتزمتين. الى المدارس الدينية بهدف تسلم المستحقات والرواتب الشهرية بحيث ان هذه المدارس تعتبر ملاجئ للمتدينين تسمح بالتالي الى الهرب من الخدمة العسكرية وتعيق الانخراط في سوق العمل.
اما ما حدث الآن فهو عدم استطاعة نتانياهو الوقوف امام ضغوط الاحزاب الدينية وتفضيل الوضع الراهن المتعلق بعدم خدمة نسبة كبيرة من المتدينين. وعدم انخراطهم في سوق العمل بل تفضيلهم اقتطاع الرواتب في الاطر التعليمية الدينية من ميزانية الدولة.
وتحاول الاوساط اليمينية والدينية المتطرفة زج وإدراج قضية الخدمة المدنية عند العرب كي تتهرب هي من الخدمة العسكرية والمدنية، ولا تتعلق مقترحات طال بمقترحات وتوصيات بتجنيد العرب، ولكن الحكومة تحاول جاهدة فرض الخدمة المدنية عليهم في البلاد بهدف اخضاعهم وإلحاقهم في ركب المشروع الاسرائيلي الكبير.
وكما قال الصحفي سيفر بلوتسكر في احدى مقالاته في صحيفة يديعوت احرونوت "بان الحكومة تهدف من وراء فرض الخدمة المدنية على العرب الى الحصول على مكاسب اقتصادية من الشباب العربي بهدف تشغيلهم مجانا ولمدد طويلة. مضيفا بان هذه الخدمة تعتبر من اعلى درجات التنكيل والاضطهاد لأقلية بحيث انه علاوة على عدم اعطائها حقوقها القومية الاجتماعية الثقافية والاقتصادية تقوم الحكومة باستغلال مقدراتهم الجسدية ولمدة 3 سنوات عن طريق الخدمة المدنية ".
إن قضية الخدمة المدنية التي يمكن ان تفرض على العرب يجب ان تكون من اولويات قضايا الجماهير العربية قاطبة في إسرائيل. وعلى الرغم من نشاط المحامي أيمن عودة اللافت رئيس لجنة مناهضة الخدمة المدنية المنبثقة من لجنة المتابعة العليا إلا ان هذا النشاط الفردي لا يكفي لمستوى الحدث، بل يتوجب على لجنة المتابعة وكافة مؤسساتها وهيئاتها وأطرها التمثيلية ان تتجند لمكافحة هذا المخطط الرهيب الذي يستهدف الجماهير العربية.
