ثورة مصر. خبر وحرية وعدالة اجتماعية
"كنتوا بتقروا ماركس وانجلز وتعملوا تنظيمات وتخرجوا علينا تقولوا يسقط النظام.. دول ماقروش ماركس ولا انجلز ولا عملوا تنظيمات بس خرجوا يقولوا يسقط النظام"، قالها ضابط في جهاز أمن الدولة - الذي حلّته الثورة المصرية – لن نعرف اسمه أبدًا لكمال خليل الناشط الشيوعي البارز، في إشارة لمجموعة كبيرة من «الوجوه الجديدة» التي كانت تطرق باب السياسة للمرة الأولى، حين اعتقلت على يد الشرطة في أول أيام الثورة.
كان خليل ينقل لمستمعيه، وهم مجموعة من الشباب اليساري، تفاصيل الحوار الذي دار خلال فترة احتجازه، بعد اعتقاله أول أيام الثورة مع المئات يومئذ ممن اعتقلوا خلال فضّ الشرطة للتظاهرات التي ضجت بها مصر.
قال مسترجعا، في جلسة في مقهى شعبي، ما جرى بمشاعر المنتصر، أن الضابط خرج من شعار الثورة «الشعب يريد إسقاط النظام» بتحليل لتوجهات هؤلاء الشباب، مفاده أنهم يساريون، بالرغم من أن خليل أجابه حين سئل انه لا يعرف أيا منهم.
غادر خليل المعتقل مع المئات بعد يومين، ثم حلّت جمعة الغضب وفرّت الشرطة من وجه الشعب الغاضب، وانقضت أيام على مصر كالحلم، وكان ذات الشعار الذي استوقف الضابط هو عنوانها.
بدا إذًا أن أعداء الثورة يعرفون أكثر من الثوار عن إمكاناتها، بينما العديد ممن التحقوا بركابها تشغلهم بشدة تفاصيل القوانين الجديدة والإعلان الدستوري وإمكانيات النفاذ للبرلمان القادم، فيما يقضي بعض من أولئك اليساريين، الذين لم يقرأوا ربما سطرًا واحدًا لماركس او انجلز، ليلتهم معتصمين في مبنى كلية الإعلام في جامعة القاهرة، في إصرار على إسقاط النظام مجددا عبر إقالة عميد الكلية الذي كان أحد وجوه هذا النظام البارزة عبر عضويته في الحزب الحاكم ودوره في صياغة البرنامج الانتخابي للرئيس المخلوع، ودفاعه المستميت عن شرعية الانتخابات البرلمانية المزورة، ثم ينضم إليهم آخرون من طلاب بقية الكليات في تظاهرات تضامنية بعد اعتداء الشرطة العسكرية عليهم بالعصي الكهربائية، فضلا عن اعتقال العشرات.
جرى ذلك فيما كان عمال شركة غزل "شبين الكوم" يحتلونها ويطردون المستثمر الذي اشترى الشركة من الحكومة في صفقة من صفقات الخصخصة سيئة الصيت، والتي انتهت بتسريح المئات من زملائهم، وعمال شركة مصر للغزل والنسيج في المحلة الكبرى يطردون رئيسها المكروه وينتخبون آخر لأول مرة في تاريخها، ولجان الدفاع عن الثورة في الأحياء الشعبية تنتشر بصورة مذهلة حتى تضم إليها الآلاف من شباب الثورة، منتزعين اختصاصات المجالس المحلية التي شكلت عبر انتخابات مزورة، ليكونوا كسلطة بديلة في تلك الأحياء المحرومة، تتمتع بتأييد الأهالي الفقراء، بل وتعدّ العدة لأول مؤتمر عام يضمّها، تعلن فيه مطالبها في مواجهة السلطة العسكرية، من قبيل انتخاب المحافظين بدلا من تعيينهم، وهو ما يهدد هذا الامتياز الذي تمتع به ضباط الجيش والشرطة، وهو تولي منصب المحافظ الذي ظل عمليا حكرا عليهم عبر عقود..
يساريون شديدو الصلابة، لكن لا يحملون أعلاما حمراء، وينظم صفوفهم مبدأ «الجوع كافر» الذي لا يحتاج الإيمان به لقراءة البيان الشيوعي.
وعلى الجانب الآخر، وبخلاف مجموعة اليسار الديمقراطي التي انضم عدد من أعضائها للحزب الديمقراطي الاجتماعي، وهو حزب ليبرالي يقول انه معني بالعدالة الاجتماعية، وأعلن عنه مؤخرا من قاعة في أحد افخر فنادق القاهرة، يصعب تحديد عدد المبادرات التي أعلن عنها لتأسيس تحالفات وأحزاب واتحادات يسارية واشتراكية بعد الثورة. فما بين الحزب الاشتراكي واتحاد الشباب الاشتراكي وحزب التحالف الشعبي الذي انضمت إليه مجموعة التحالف الاشتراكي فصار حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وبخلاف الحزب الشيوعي المصري الذي اكتفى باستبدال طبيعته السرية – نظريا فقط – بأخرى علنية، انضم المئات فعلا لهذه التشكيلات، لكن كل تلك المبادرات اعتمدت غالبا على تجميع اليساريين «القدامي» إذا جاز التعبير، من الأعضاء السابقين للتنظيمات السرية وبعض الفنانين والكتاب وأساتذة الاقتصاد ونشطاء جمعيات المجتمع المدني والحقوقيين والمستقيلين من حزب التجمع – بيت اليسار الذي تحول بفعل اختراق السلطة له ومهادنته لها عبر عقود إلى أحد أسوأ الجهات السياسية صيتا.
ربما يكون حزب العمال الديمقراطي هو من يشكل استثناء في هذا الصدد، إذ تعتمد عضويته الرئيسية إلى الآن على قيادات عمالية واجتماعية برزت خلال الحركة العمالية، التي بدأت عام 2006 واستمرت حتى الآن، وهو ما ساهم في إمكانية زيادة العضوية بسرعة نسبية عبر الدعاية المثمرة لتلك القيادات الطبيعية في مواقعها وبين قواعدها، ما يبدو معه أنها تحاول أن تضم اليسار الجديد طارحة نفسها كممثل سياسي عن الطبقة العاملة.
* كاتبة مصرية
