ليس غريبا ان تتغير ذهنيتي فتجنح الى الواقع الذي اعيش فيه في الناصرة وتحت الحكم الاسرائيلي وانا اقرأ كتاب محمد محفوظ، "ضد الطائفية" – "اوراق في العلاقات بين التعددية المذهبية والمواطنة" ، الصادر عن المركز الثقافي العربي الدار البيضاء –المغرب وبيروت لبنان طبعة اولى 2009 . ليس غريبا أن أذوّت مادته، لأن القارئ لصفحاته يعود دائما الى واقعه القريب اولاً ومن ثم البعيد فالأبعد . شيئ طبيعي ان اعود بفكري الى ازمة شهاب الدين النصراوية التي ما زلنا نعاني من آثارها السلبية وان اتحول بالتالي الى الراهن من ازمة قرية العراقيب في النقب ومحوها من الوجود المادي وتعميق وجودها المعنوي في قلوبنا وقلوب اصحابها – وذلك بحجة البناء غير المرخص وكونها من القرى غير المعترف بها اسرائيليا . تلك القضية المرتبطة ارتباطا عضويا بالتضييق على الاقلية القومية العربية الفلسطينية من عمق اعماق النقب حتى اعالي الجليل ... بغض النظر عن الإنتمائات الطائفية والاثنية و المذهبية ... لان الاضطهاد هنا هو اضطهاد قومي اولا وقبل كل شيئ ، ولأن الاستبداد وثقافة القوة والإستئصال والفصل العنصري والاقتلاع والتطهير العرقي قائمة منذ قيام دولة اسرائيل كدولة اليهود الصهيونية .
الكتاب يعالج مسألة التوترات السنية - الشيعية في العالم العربي والاسلامي والكاتب مع عدم تجاهل هذه المشكلة وفي الوقت ذاته مع عدم تضخيمها .. وهو بالتالي مع معالجتها بالوعي و الحكمة والتسامح وإرادة تفكيكها من خلال موقع التعالي على الاصطفافات الضيّقة . وكذلك من خلال الإعتراف والحوار مع الاخر المختلف وعدم الاساءة الى رموزة ومقدساته وقناعاته . وكذلك أيضا-وهو الأهم- من خلال سن قوانين على قاعدة المواطنة والعدالة والمساواة.. تعاقب المخالف .. لأن الخطاب الأخلاقي في هذا الصدد لا يكفي . يقول الكاتب ان المجتمعات الراكدة اقرب ما تكون عرضة للاختراق بيد ان المجتمعات الحيوية تمتلك الدينامية التي تؤهلها للمقاومة... ويقول أيضا ان الإستبداد هو جذر الأزمة في المسألة الطائفية ، فالعنف والقهر يوقظان الخصوصيّة بشكل سلبي والوحدة القهرية القسرية لا تفضي الى الإستقرار . وان سياسة استبداد الدولة والاقصاء السياسي والاقتصادي والتمييز العنصري تفاقم العيوب وتعمق التوترات وتفجر الخصوصيات وبالتالي فان التمييز يفضي الى التمايز والتشبث بالخصوصية بتبني خيارات واتجاهات تزيد انفصاله الشعوري والعملي عن المحيط .
وبعد ، كيف لي ألاّ أذوّت هذا كله واعود الى ابعد بقعة في النقب واعلى ربوة في الجليل وما بينها .. اعود الى النكبات الاجتماعية والانفجارات السياسية، اعود الى الناصرة والعراقيب لكي ألخّص أن كثر الشد يرخي وكثر الضغط يولّد الإنفجار، خاصة عندما تتآكل هوامش الديمقراطية ويتم السير حثيثا نحو الفاشية ! اعود لكي اؤكد ضرورة الاستعداد لأيام أصعب و التسلح بالوعي وبالتعالي على كل الاصطفافات الضيقة.
