حدثني صديقي وقال: خرجت في أحد الأيام في فصل الربيع.وكان مشمسًا وصافيًا، لأتنزّه في الخلاء،وبينما أنا أعبر من مكان لآخر، أبحث عن مكان أستنجع فيه الكلأ، مررت بأحد المنتجعات الجميلة الخلابة، الخضراء، فشاهدت ثلاث بهائم ترعى وتستمرئ الكلأ وتقضمه بنهم، حصان،وبغل، وحمار، وجميعها من فصيلة ذات الحافر، ترعى بهدوء وسكينة ووئام، فاستوقفني المنظر، وحططت رحالي هناك، لامتع نظري بخضرته الطاغية، وجماله الساحر، وأتنسّم شذى أزهاره الندية ووروده البهية، التي يعبق بها الجو اللطيف،أشنّف أُذني بخرير ماء السيل الذي شقّ المنتجع ليتماهى خرير الماء مع سقسقة العصافير التي تبرح مكانها وتتقافز من زهرة الى اُخرى، فاستولى عليّ شعور من الغبطة والسرور، لروح التآخي العارمة، التي سادت بين الثلاث بهائم فاستلقيت على الكلأ، لآخذ قسطًا من الراحة بعد مشْي مسافات طويلة في الخلاء..
واذ بالحمار تعنفص، استجمع قواه واستنفر جماعته وأخذ يلف ويدور في مكانه وهو ينهق، ورفع ذيله وأرخى العنان لمؤخرته تتصرّف بحرّيّة، قال الصديق: استهجنت هذا التصرّف من الحمار، وأخذت أفكّر وتساءلت مع نفسي، وهل الحمار رآني الشيطان (هناك اعتقاد عند بعض المسلمين أنّ الحمار لا يقدم على النهيق الاّ اذا شاهد الشيطان) أم رآني دخيلا على مملكتهم، واعتبرها اعتداءً صارخًا على حرّيتهم. وأنا أنظر الى الحمار، شاهدت البغل قد اقترب، من الحمار وراح يهمهم، وانتصبت أُذناه وبدا عليه التبرّم، والغضب قد غشي عينيه. وفهمت من همهمة البغل أنه لم يرق له تصرّف الحمار، فأنحى عليه باللائمة، وخاطب الحمار قائلا: أنت لا تريد أنْ تتعلم وتتعظ بما أنزله الله بحقك، وتجاهلت وصفه لك، عندما قال في كتابه العزيز"انّ انكر الأصوات لصوت الحمير" واذ بالحصان يدلي بدلوه، وتغيّر الوضع من جو السكينة الطاغية والوئام الى جو من المناكفة والمماحكة، والصخب، فجمح الحصان، وراح يصهل، بصوته الأصيل العذب الناعم، ويتقافز على أرض المنتجع رافعًا يديه تارة ورأسه شامخًا وبخيلاء وزهوٍّ تارة أُخرى..
غضب الحمار من البغل وانفجر قائلا: انت انحيت علّيّ باللائمة لأنك تغار مني، لانك لا تستطيع النهيق مثلي، فضَحِك البغل، والتفت اليه قائلا: الحمار حمار لو بين الخيول ربي، الم تسمع بالمثل القائل من لا يغار أبوه او خاله حمار، فأنا خلقت عديم الغيرة ولأنك غبيّ فقد أنزل الله بحقك الآية الكريمة من صورة الجمعة آية "4" تصف غباءك كالحمار يحمل أسفارًا. وهناك أمثالك الكثيرون الذين يتجاهلون الحقائق الدامغة لو تكومت أمامهم أكوامًا، فيظلون يتنكرون لها ويتجاهلونها ويغرقون بغبائهم حتى رؤوسهم وغايتهم منها المناكفة والمساجلة، انتهى البغل من خطابه، فردّ عليه الحمار بغضب وحقدٍ شديدين قائلا: وهل سألت نفسك يا حضرة البغل لماذا خلقك الله عقيمًا عاقرًا؛ وعندما ترى الانثى او الاتان تتلمظ بشدقيك حسرة واكتئابًا، فشعر البغل بالحرج، اطرق قليلا فردّ عليه البغل بصوت خفيف قائلا: لكن الله عوّض عليّ بقوّة جسدي وهي عظيمة تعجز عنها أنت، فضَحِكَ الحمار من ردّه الواهي السخيف وقال مخاطبًا الحمار أتتناسى أنت وغيرك: أنّ الله منّ وأنعم علي ّ وفضّلني على جميع مخلوقاته بأكبر وأضخم عضو تناسلي. ثمّ التفت الحمار الى الحصان يعاتبه فقال له: علام هذه الشنشنة التي قمت بها؟ ألم تخجل من نفسك وهل سألت لماذا تجاهلك الله في كتابه العزيز ولم يذكرك الا مرّة واحدة في حين ورد ذكري ثلاث مرّات، و ورد ذكر الناقة والابل تسع مرات، ضحك منه الحصان، فرد عليه قائلا:
يكفيني فخرًا واعتزازًا انني كنت مطيّة للفرسان على مدى التاريخ، فمن على صهوتي انتصر واشتهر عنترة العبسي، فكان الفارس الألمعي في زمانه، ومن على صهوتي انتصر القائد العربي خالد بن الوليد في معركة اليرموك على الروم سنة 636 ومن على ظهري انتصر القائد البطل صلاح الدين الايوبي على الفرنجة الصليبيين في معركة حطين سنة 1187 م وكانت معركة مفصلية بين العرب والفرنجة، ومن على ظهري انتصر القائدان والفارسان سيف الدين قطز والامير بيبرس في أشهر وأضخم المعارك في التاريخ في عين جالوت سنة 1260م في فلسطين، بالحاق الهزيمة بأعتى جيش في ذلك الزمان جيش المغول، فضَحِك البغل، وردّ على الحصان ليحد من تباهي الحصان، وخاطبه حانقًا قائلا للحصان: كفاك تباهيا وشموخًا ويكفيني أنا فخرًا ان رسول الله ترك ناقتيه الغضباء، الجدعاء او القصواء وفرسه "سكب" الشهباء واستعاض عنها ببغلتيه "دلدل" "وفضة" ويكفيني اعتزازا ان الفارس وأحد الصحابة علي بن أبي طالب على ظهر دلدل حارب الخوارج وانتصر عليهم في معركة النهروان سنة 659م ويكفيني اعتزازًا انني نقلت الاسلحة على ظهري، وصعدت بها الى قمم جبال وأدغال فيتنام قطعت وهادها ووديانها حتى استطاع الجنرال البطل "فو نغوين جياب" وباغت جيش الفرنسيين والحق بهم شرّ هزيمة في معركة "ديان بيان فو" في أيار سنة 1954 م فثارت ثائرة الحمار، الذي كان يستمع للسجال الذي دار رحاه بين صديقيه، فعاد وراح ينهق، ولم يكترث لكل الوصمات التي وصمه بها البغل، وانفلت يخاطب البهيمتين قائلا:
إن اعتزازي لا يقل عن اعتزازكما ويكفيني شهرة، فعلى ظهري دخل المسيح الى القدس، واستقبلوه بسعف النخيل فرحًا وابتهاجًا، وانا الحمار عُفَيْر كنت مطية الرسول محمد (ص) وهل تفقهان؟ ولماذا تنكران جميلي ومساهمتي في خدمة جهابذة التاريخ، وهذا ليس غريبًا عليّ، فمثلكما كثر الذين ينكرون الجميل ويتنكرون للحقيقة، ويراوغون في محاولة بائسة لطمسها، ثمّ التفت اليهما وانتصبت اذناه وهو يتقدّم بتؤدّة وهدوء، مخاطبًا و متسائلا: لماذا هذا الخلاف وتلك المناكفة التي نشبت بيننا، ونحن من فصيلة واحدة وان الله، خلقنا سواسية وأنعم علينا وخّصَّ كل واحد منا، بما منّ عليه وتكرّم جلالته، فيا أصدقائي وهل نسيتم ما جاء في القرآن الكريم وقد خلقنا الرب وسخرنا لخدمة الانسان، وهو القائل في كتابه العزيز في سورة النحل آية (9) "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون" (ص) والآية الكريمة من سورة آل عمران 112 واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا (ص)، فحريٌّ بنا ايّها الزملاء أن ننبذ الفرقة ولا داعيٍ للشرذمة، والفرقة ونحن من فصيلة واحدة ففي الوحدة قوّة وفي الفرقة هوان وضعف، ومدعاة لاستقوائنا، فالتفت كلّ من الحصان والبغل والتقت نظراتهما وهمهما وهزّا رأسيهما علامة الموافقة، واقترب الثلاثة ووضعوا رؤوسهم مجتمعة وكثرت همهماتهم، ثمّ رفع الحصان رأسه والغبطة تغمر وجهه قائلا: بالرغم من انه حمار كان الأحدق الأذكى بيننا. فقال صديقي عندها نهضت وسرت متثاقلا تاركًا البهائم وقد عادت اليهم اللُّحْمة والوئام والتآخي وانا أحمل في جعبتي درسًا بالوطنية من البهائم لن أنساه ما دمت حيًّا.
(عرابة)
