*لا يمكن الفصل بين السيناريو العدائي عند زعماء القوى الأوروبية قديمًا والفكر العدائي الذي يقف وراء السياسة الأمريكية في أيامنا؟ المعادية لمصلحة شعوب المنطقة!*
تعوّدنا أن نقول عن كل قصة، تسرد لأكثر من مرة بأنها تشبه حكاية "إبريق الزيت" التي روتها لنا الجدة. فهذه القصة والقصص المشابهة لها هي قصص بغالبيتها لا تنتهي إلى نتيجة. بل أراد بها أصحابها أن تضيّع الوقت بالكلام كي يبدو الأمر للناس، كأنه هام ويحظى بالمعالجة في حين ان عقلاء القوم يفهمون حقيقة الأمر وبان ما يجري لا يدور إلا في حلقة مفرغة لا نتيجة يرجى منها.
تذكرت حكاية "إبريق الزيت" عندما كنت في عكا يوم السبت الماضي 21/4/2012 مشاركًا في رحلة "عكا ع البال" التي نظمها "المنتدى الثقافي" في دير الأسد إلى تلك المدينة الخالدة للتعرف على تاريخها وحضارتها على مدى القرون الماضية.
قبل أن استرسل بالكلام، لا بد من تذكير القراء الكرام بان موضوع: رحلة من دير الأسد إلى عكا! قد يثير الاستهجان والضحك عند البعض من أهالي دير الأسد، لأن سفر أهالي دير الأسد إلى عكا هو أمر طبيعي ومألوف فهي مركز لواء عكا الذي نحن منه وفيها الدوائر الحكومية والأسواق التجارية التي تعوّد أهالي قضاء عكا ونحن منهم ان نرتادها صباح مساء. ولكن رحلة تعليمية إلى عكا هي أمر هام ضروري وربما ملزم لكل من يهمه تاريخه وجذوره وتطوره. لان في الرحلة لعكا إجابات على العديد من الأسئلة التي تسكن الضمير العربي والإسلامي والتحرري!
كما قلت ، خرج باص الرحلة – يوم السبت صباحًا من ساحة القرية. ووصل عكا بعد حوالي نصف ساعة وبدأت الرحلة بما يُسمى "ساحة الفرسان"! دخلنا واستمعنا لشرح مرشد الرحلة على مدى ثلاث ساعات في أثناء عبورنا بالمدينة السفلى التي تم اكتشافها بعد إزالة التراب عنها. سرنا عبر الأنفاق الموصلة بين أجزاء المدينة التي نعرفها ولكن شرح المرشد بيّن لنا الصورة التي يتلخص فيها تاريخ الشرق الأوسط والقوى العالمية، الغربية بالذات. فعلى مدى تاريخ هذه المنطقة من القرن الثامن عشر وحتى اليوم نرى مؤامرة واحدة.. بطلها.. الدول الأوروبية وانضمت إليهم مع مطلع القرن العشرين الولايات المتحدة!! كتلة دولية نهضت من بين أنقاض الفكر التقليدي وبنت لنفسها حضارة تقوم على العلم والاختراع والآلة. مما جعل هذه الكتلة تتنافس فيما بينها على السيطرة على شرقنا العربي والإسلامي بهدف واحد وهو استثمار خيراته وكنوزه الطبيعية لمصلحتها ثم السيطرة على الحركة التجارية فيه وإخضاعه للسوق الغربية، أي لنفسها!!
لم يهدأ بال هذه المنطقة التي نعيش فيها طوال الوقت ولكن المؤامرة زاد إحكامها والمشاركون فيها هم نفس القوى وهدفهم ما زال واحدًا وهو إبقاء هذه المنطقة مشرذمة مقسّمة متصارعة من الداخل وتنعم الدول الغربية بخيراتها!! فالتنظير السياسي هدفه إبراز وحشية العربي والمسلم. والحملة العسكرية استهدفت تحطيم كل عقل متنور ووطني يحلم بالنهوض بهذه المنطقة إلى مصاف الأمم المتحضرة؟! نفس الأحداث منذ مئتي سنة مع تغيير الأسماء!!
الدول الغربية + الرجعية العربية + الصهيونية العالمية تضرب محمد علي باشا ومحاربه إبراهيم باشا، حصار نابليون لعكا للسيطرة عليها، الاحتلال الانجليزي، الاستيطان اليهودي لفلسطين يري ان الذين رسموا برامج تقدم وتطور شرقنا ضربهم الغرب وأفشلهم، بدْءًا من محمد علي وابنه إبراهيم باشا، ظاهر العمر، احمد الجزار، سعد زغلول، شكري القوتلي، جمال عبد الناصر، صدام حسين إلى آخر القائمة في العصر الحديث.
السّاسة الذين لعبوا دورًا في المؤامرة على إبقاء الشرق الأوسط مشرذمًا ضعيفًا ومقسَّمًا استمروا من مترنيخ النمساوي، نابليون الفرنسي، بالمرستون الانجليزي، وفي العصر الحديث بلفور الانجليزي، هرتسل الصهيوني، الهاشميون والسعوديون وملوك العرب.
من هنا لا يمكن الفصل بين السيناريو العدائي عند زعماء القوى الأوروبية قديمًا والفكر العدائي الذي يقف وراء السياسة الأمريكية في أيامنا؟ المعادية لمصلحة شعوب المنطقة!
إن ما يجري اليوم من طمس للوجود الفلسطيني، هدفه إكمال المؤامرة التي بدأت منذ تلك الأيام وتقسيم الإمبراطورية العثمانية أولا ثم تقسيم العالم العربي. قيام إسرائيل على أنقاض فلسطين، احتلال أفغانستان، تدمير العراق والنيل من إرادة سوريا وموقفها المناهض للسياسة الأمريكية!! هو نفس المسلسل الذي يستمر في إخراجه اليوم، القوى الغربية، الصهيونية العالمية، الرجعية العربية ممثلة بالجامعة العربية دول الخليج ودول المغرب العربي.
سايكس بيكو، وعد بلفور، الكتاب الأبيض، الانتداب البريطاني، حرب السويس، حرب الخليج، حرب العراق، احتلال أفغانستان، حمد الأول، حمد الثاني، الملك عبدالله، الملك حسين، الملك عبدالله الثاني، الملك فاروق، علي عبدالله صالح، مبارك، معمر القذافي، الملك الحسن الثاني، الملك محمد السادس، نتنياهو كلهم وجوه لعملة واحدة اسمها الحلف ضد الشعوب العربية، صحيح انها حضرت إلي في رحلة عكا ولكن يمكن الإحساس بها حتى بدون عكا، فالشواهد ساطعة كالشمس ومن لا يراها فانه لا يريد ان يراها أو هو أعمى البصر والبصيرة.
(دير الأسد)
