بـصـراحـةٍ لـهـا نـظـيـرٌ...

single

*عن أحوالنا/أهوالنا، وعن "شفاعمرو" التي في القلب*

 

//تَـلاسُـنٌ!


      ما نزعم أنّه ليس من شِـيَمنا، ولا من عاداتنا الأصيلة، صار سلوكًا متوقَّعًا "طبيعيًّا". في مجتمع غير طبيعيّ (ونحن كذلك -لشديد الأسف)، يغدو غيرُ الطبيعيّ طبيعيًّا!
      اختلفت مجموعتان صغيرتان من الشبّان، بضعة شبّان مسيحيّين وبضعة شبّان دروز، وما لبث الاختلاف العنيف أن تحوّل خلال أيّام إلى "حرب" في مدينة متعدّدة الطوائف كنّا -ولا زلنا- نريدها حِرْزًا وطنيًّا ومخرزًا في عين كلّ عمالة وخيانة وفتنة. هل نصدّق حقًّا أنّ المسألة مجرّد خلاف اندلع إثر تلاسُنٍ بين شبّان من طائفتين عربيّتين يُفترَض أن تكونا مؤتلفتين بنسيج العروبة النيّرة؟! هل يمكن لأيّ خلاف بين بضعة أفراد في مجتمع أصيل متنوّر أن يتحوّل إلى طاقة تدميريّة، يذهب ضحيّةً لها جرحى (بعضهم لا ضلع لهم في ما حدث، وبعضهم "ورّطتهم" رغْبتُهم في تطويق الحدث)، ومحالُّ تجاريّةٌ، ومنازلُ وسيّاراتٌ؟!
 هذا ما حدث في أواسط حزيران (2009) في مدينة شفاعمرو الحبيبة. وأبغَضُ ما حدثَ في هذا الشأن أنّ مسلَّحين من الطائفتين (بعضهم أو معظمهم جنود في "جيش الدفاع الإسرائيليّ" -جنود يدافعون عمّن يحتلّ شعبَهم ويقاتلون بالسلاح أبناءَ جلدتهم)، من داخل شفاعمرو ومن خارجها، قد انضمّوا إلى إخوتهم المتشاجرين فيها "مناصرين" إيّاهم! يا لَلعار، ويا لَلخطر! ليتهم يومًا يناصرون شعبهم المعذَّب المُعاني الحالِم بالحرّيّة والعودة والنماء والبقاء! ليتهم، في حَـلٍّ للخلاف الذي ولّدَ المشكلةَ، ليتهم استعانوا بمن هم من خارج مدينتهم من أهل الإصلاح لا من ذوي السلاح! أعرف "سذاجتي"، لكن... هي أمنية؛ وبعض التمنّي سذاجة!
      مستغرَبٌ أمْرُنا نحن! نستطيع تحشيد مئات وآلاف في "طوشة" (وهذه بالطبع تسمية ملطَّفة)، ونعجز عن تحشيد نصف هذا العدد أو رُبْعه في سبيل تنظيم مظاهرة وطنيّة! تلك هي مغبّة ما أسماه الباحث والمحاضر الدكتور العزيز أمـل جمّـال ابن بلدة يركا "عَسْـكَرَة المجتمع".


 
// ولـلـطـرافـة حـضـور...!


      ولعلّ من "أطرف" ما اتّضح لاحقًا (حسبما صرّحت الشرطة قبل أيّام ليست بعيدة) أنّ الجاني ليس مسيحيًّا، ولا هو مِن شفاعمرو!
      والمقصود بالجاني ذاك الذي نشر صُوَرًا في الشبكة العنكبوتيّة تمسّ بالقيادات الدينيّة الدرزيّة ورموزها وببعض الفتيات الدرزيّات؛ وهو ما شحَنَ الأجواءَ ووتّرها وجعل العنف يتفاقم في شفاعمرو بعد ثلاثة أيّام من ذاك التلاسُن، فأدّى إلى الاعتداء على الممتلكات في بعض الأحياء المسيحيّة، واستقدام شبّان دروز مسلَّحين من خارج المدينة، ثمّ استقدام شبّان مسيحيّين مسلَّحين من خارجها كذلك.
 لنترك هذه الطرافة المفترَضة، ولنفترض أنّ الجاني مسيحيّ شفاعمريّ. في هذه الحالة الافتراضيّة، الجناية جناية فرد، والعقاب ينبغي أن يكون فرديًّا. والمعاقِبون لا ينبغي أن يكونوا شبّانًا أغرارًا يغلي الدم في عروقهم لأتفه الأسباب وأوْهاها وأكْذَبِها، فيمتشقون السلاح ويعيثون فسادًا وتمزيقًا وطعنًا في مدينتهم هم.
      لنلاحظ ما يلي في ما حدث: الجاني فَرْد (أو اثنان أو بضعة أفراد)؛ المعاقِب جماعة؛ المعاقَب المعتدى عليه جماعة لا صلة لهم بما حصل!
 


// ولـنـفـتـرض...


      ولنفترض أنّ الجاني في مسألة كهذه كان يهوديًّا من سكّان "كريات آتا"؛ فهل كانت ستُشَنّ حرب على هذه المدينة؟ لا أظنّ ذلك. بل أكاد أجزم أنّ ردّ الفعل لن يكون إلاّ ردًّا كلاميًّا ستَرِدُ فيه عبارات وتعابير في قمّة المسؤوليّة، على غرار التالية: "هذه فِعلة فرديّة. نحن لا نحمّل كلّ سكّان "كريات آتا" مسؤوليّة ما حدث. لا نذنّب كلّ المجتمع اليهوديّ. نحن نعيش في دولة قانون، فلندَع القانون يأخذ مجراه"...
      ألله، ما أجمل هذا الكلام المتوقَّع، وما أقسى هذه الازدواجيّة! تجاه معتدٍ يهوديّ نتعامل بالقانون، وتجاه أبناء شعبنا بالجنون! ولك أن تتخيّل ما يحدث حين يأخذ الجنون مجراه... لا، لا حاجة إلى إعمال أيّ جهد تخيُّـليّ في هذا الشأن. الواقع القبيح يريحك من عناء هذا التخيّل؛ إذ لو زرتَ شفاعمرو الحبيبة لَعاينتَ معنى تحويل العمار إلى دمار، والتعايش إلى "تناهُش". ليتنا نعامل بعضُنا بعضًا كما نعامل يهوديا معتديًا!

 

// افـتـراض آخَـر


 لا بأس من مواصلة الافتراضات... لنفترض أنّ هذا الجاني (ذاك الذي أساء إلى بني معروف عبر "اليوتيوب") هو عربيّ درزيّ من البلدة العربيّة الدرزيّة يركا، لا يعني له الانتماء العربيّ شيئًا، وشاء -لأسبابه غير البريئة- أن يعتدي على المسيحيّين العرب من خلال المسّ بالمعروفيّين أهله. هل عند ذاك سيقوم المسلَّحون بشنّ هجوم على أهلنا في يركا؟!
 ولنفترض أنّ الجاني عربيّ درزيّ من مدينة شفاعمرو نفسها، شاء الإساءة إلى مسيحيّي مدينته باقتراف هذه الفعلة النكراء. عندئذٍ على مَن سيُشَنّ الهجوم؟!
 لا ينبغي أن تقبل أيّ طائفة من طوائف مجتمعنا سلوكًا جماعيًّا (ولا فرديًّا) عدائيًّا اعتدائيًّا كهذا الذي جرى في شفاعمرو؛ لا المسيحيّون ولا الدروز ولا المسلمون. لا ينبغي لأيّ منّا أن يَقْبل ولا أن يُقْبِل على فعل كهذا، ولا أن يقوم بتبريره بأيّة ذريعة كانت. مَن يَقبل أو يبرّر عنفًا اعتدائيًّا كهذا، يضفي -من حيث لا يدري أو لا يريد- شرعيّةً على أيّ عنف اعتدائيّ جماعيّ يوجَّه ضدّه هو وضدّ "جماعته".
 يَسوؤني ويُسيء إليّ أن يعتدي أحدٌ على مسيحيّي شفاعمرو، وكذلك على دروزها ومسلميها. الإحساس نفسه ينتابني إذا جرى ذاك في أيّ مكان. الشفاعمريّ العربيّ الحقيقيّ الأصيل يحسّ أنّ أيّ مسّ بمسيحيّي شفاعمرو هو مسّ بدروزها ومسلميها كذلك، وأيّ مسّ بدروزها هو مسّ بمسلميها ومسيحيّيها، وأيّ مسّ بمسلميها هو مسّ بدروزها ومسيحيّيها. بعد اليوم، لا ينبغي لأيّ حريص على شعبه (والحرص على الطائفة جزء من هذا -كما يطيب لي أن أعتقد) أن يلتزم الحياد والصمت، ولا أن يقبل بأن يقرّر السلاح الناريّ طبيعة العلاقات بين فئات الشعب الواحد. أمّا مسألة الانخراط في الخدمة العسكريّة، فمن الواجب الآن الآن أن تُطْرَح على الملأ لتبيان مخاطرها علينا جميعًا -مسلَّحين وعُزَّلاً.


     
// مَـن الـحـامـي؟


      الدولة التي تستكثر على خُمس مواطنيها أن يطالِبوا بأن يكونوا مواطنين كاملي المواطَنة، والتي تطالبهم -في كلّ حدث وحديث- بالولاء والإخلاص لها، دون أن تُلزم نفسها هي بأن تُخْلِص لهم وتُخْلص للديمقراطيّة وتستخلص العِبَرَ من كلّ ما اقترفتْه وَجَنَتْه (وهو كثير وفظيع)... الدولة التي تمارس العنصريّةَ مُقَوْنَنةً... الدولة التي لا تحمينا من حكوماتها... مثلُ هذه الدولة لا أمل منها في أن تحافظ علينا من أنفسنا. أقول هذا دون أن أبرّئ ساحة رجال الأمن من التقاعس.
      مَن يحمي الطائفة؟
      شعبها. شعبها حاميها، لا الطائشون. "جِدْعانها" حُماتُها لا طائشوها. جدعانها يدافعون عنها بالعقل، بتحصينها من دوافع التراجع والرجعيّة. جدعانها يَهْدُونها ويُهدونها: يَهْدونها بعقولهم الهادية الهادئة النيّرة، ويُهْدونها خدماتهم الوطنيّة الخالصة. طائشوها يدافعون عنها ("يدافعون" -كما يخيَّل إليهم)، فيدفعون بها صوب مَهاوي التخلّف والرداءة والردى.
      المصالَحة العشائريّة والرسميّة ليست علاجًا لجراحنا العميقة المفتوحة على مصاريعها. قبل "المصالَحة"، أو في موازاتها، أتوقّع وأتمنّى أن تكون ثمّة مصارحةٌ يساهم فيها كلُّ مَن يعزّ عليه ما يحدث، مصارحةٌ من خلالها تقترن الجرأة على قول الحقيقة بالاحترام والمراعاة والحرص على المشاعر.
      مصلحتنا تقتضي، بادئ ذي بدء، أن يقتنع جميعنا بأنّه لا ينبغي أن يبقى وضعُنا غيرُ المشرّف هذا على حاله. لا يُعقل ولا يُقبَل. وذلك أنّ عدم إصلاحه سيُفـضي إلى ما هو أخطر بكثير. عدم إصلاحه سيعصف بكلّ مُصالَحة مَهْما عَظُمَ شأنها. في مثل حالتنا، المصالَحة -رغم أهمّيّتها الآنيّة على صعيد الإحساس والتهدئة- لا تكفي.

 

// الـمـشـتـرَك الـمـقـلـِق!


      بين كلتا طائفتَيْنا العربيّتين -المسيحيّة والدرزيّة- من المشترَكات مشترَكٌ يثير الأسى والقلق. في صفوف عدد غير ضئيل ولا قليل من أبنائهما (هنا في الدولة التي تستكثر على خُمس سكّانها أن يطالبوا بأن يكونوا مواطنين كاملي المواطَنة)، تنتشر حالة من التنكّر للعروبة أو للانتماء العربيّ.
      غريبٌ مستغرَبٌ مقلقٌ مَعيبٌ ما يحدث لدى هاتين الطائفتين العربيّتين! لا يهمّني، في هذا السياق، أنّ ثمّة تفاوتًا في مدى انتشار هذا التنكّر في صفوف أبناء هاتين الطائفتين العربيّتين، بَيْدَ أنّ الخوف كلّ الخوف في أن يتساوى -يومًا ما- منسوبُ التنكّر للعروبة بينهما تفاقُمًا. كذلك أعرف كغيري أن بعض الفئات من مسلمينا هنا غير "بريئة" من هذه اللوثة.
      أيليق بمن أنجبتْ طائفتُهُ عظماءَ عربًا عروبيّين أحرارًا وطنيّين بامتياز، كجورج حبش وميشيل عفلق (وغيرهما كثيرون)، أن يتنكّر للانتماء العربيّ ويعادي العروبة؟!
      أيليق بمن أنجبتْ طائفتُهُ عظماءَ عربًا عروبيّين أحرارًا وطنيّين بامتياز، كسلطان باشا الأطرش وكمال جنبلاط (وغيرهما كثيرون)، أن يتنكّر للانتماء العربيّ ويعادي العروبة؟!
      هل مِن اللائق بمن يحمل تاريخًا من المَفاخر الحقيقيّةِ، غيرِ المختلَـقـة ولا المزعومة ولا الوهميّة، أن يَبُول على أمْسِهِ، ويقبِّح يومَهُ، فيُهَدِّم غدَهُ بمَعاوِلِ "بطولات" لا تختلف عن الباطل في شيء؟! بل هي باطل. هي شرّ. هي ظلام وظلاميّة.
      من أكثر ما أخشاه أن يُقْنِع المسيحيّون العرب أنفسهم، بعد ما تعرّضوا له من اعتداءات في أكثر من بلدة هنا في الجليل، بأنّه ليس لهم مكان هنا في هذا الوطن، أو أنّه ليس أمامهم سوى أحد خَيارَيْن اثنين: انخراط شبّانهم في الجيش الإسرائيليّ، أو الهجرة إلى بلدان تُحترَم فيها الأقلّيّات وتُصان حقوقها وحياتها.
      كِلاهما مُرٌّ. كلاهما مشكلة على هيئة حلّ. كلاهما ينبغي أن يقاوَما.

 

// الأصـولـيّـة هـي الـسـبـب!


      يرى بعضنا أنّ هذا التنكّر للانتماء العربيّ هو ردّ فعل على الأصوليّة الإسلاميّة.
      بافتراض أنّ هذا التشخيص على صواب، هل أسْلَمُ طريقٍ لمواجهة الأصوليّة هي "أصوليّة" مقابِلة؟! هل عليَّ إذا بلغ أخي حافة اليأس أن أعلن براءتي منه ومن ذاتي؟!
      اذكروا لي فكرًا أصوليًّا خدمَ شعبًا ما! الأصوليّة ليست حلاًّ. الأصوليّة مشكلة. أحيانًا هي "المشكلة"، أو إفراز لمشكلة، أو تعبير عن مشكلة أو أزمة. الأصوليّة قادرة أن تهدم شعبًا ومجتمَعًا بأكمله. حتّى الفكر اليساريّ نفسه وقع في أزمات كادت تجعله ينهار، إلى حدّ الاندثار، حين غدت عقيدته أشْبهَ بحالة أصوليّة أو لاهوتيّة. لو حصّنَ الفكرُ اليساريُّ نفسَه بممارسة فعليّة للحرّيّة والانفتاح والديمقراطيّة والنقد الذاتيّ، لَمَا وصل إلى ما وصل إليه. ما كان ينبغي للفكر اليساريّ أن يخشى هواءَ تلك النوافذ الأربع (الحرّيّة والانفتاح والديمقراطيّة والنقد الذاتيّ). لو عَرف هذا الفكرُ التقدّميُّ كيف ينتصر لذاته، لو عرف كيف يحمي نفسَه مِن نفسه، قبل أن يحميها من مُناوئيه وشانئيه، لَمَا حدثَ له ما حدثَ (وهو عظيم خطير مؤسِف). لم يَـنْـأَ عن الصواب والحقيقة العلاّمةُ الشاعرُ محمّد حسن الأمين إذ قال إنّ سيّئات الديمقراطيّة خيرٌ من حسنات الاستبداد؛ فالديمقراطيّة -رغم الثغرات والنواقص- قادرة على أن تطوّر نفسها بنفسها، من داخلها هي، بنقد نفسها وتقويم اعوجاجاتها، وبالتالي تتطوّر الحياة والمجتمعات. أمّا الاستبداد، فهو حين يطوّر نفسه لا يأتي إلاّ بمزيد من السواد.
      قبل بضعة عشر عامًا، على مسمع منّي قال أحد معارفي المسيحيّين، مُدافعًا عن فئويّته الطائفيّة التي لم ترُقْ لي، إنّ المسلمين يكرهون المسيحيّين. وأضاف قائلاً إنّه في فترة جمال عبد الناصر، حين كان معظم العرب المسلمين يؤيّدون الفكر الناصريّ أو يتماثلون معه، كان الوضع جميلاً، وكان من الطبيعيّ للعربيّ المسيحيّ أن يجد نفسه في العروبة ويعتبرها انتماءً رئيسيًّا. أمّا الآن، حسبما قال، فالأمر يقتضي ألاّ نكون سوى مسيحيّين إسرائيليّين، ولْنَدَع العروبة وشأنها!
      سألته عمّا إذا كان الفكر العَلمانيّ الوطنيّ لا يروق له، فادّعى خلافَ ذلك على نحو قاطع. فأجبتُه: إذا كان هذا الفكر يروقك، فلمَ تتخلّى عنه؟! أليس من الأوجب والأصحّ أن يتعزّز تمسُّكُك بالصحيح حين يتخلّى غيرك عنه، وأنت عارف مدرك أنّ هذا هو الصحيح؟!
      كذلك قال مُبالِغًا: كلّ المسلمين تركوا هذا الفكر العروبيّ! كلّهم يَرَوْن أنّ الإسلام هو الحلّ! كلّهم الآن يرتادون المساجد ويُرْخون اللحى! لا مشترَك بيننا وبينهم!
      قلت: إذا كان تَبَنِّي وتشجيع الفكر العَلمانيّ الوطنيّ التقدّميّ يصبّ في مصلحتك ومصلحتي، فلمَ نبتعد عنه ونتنكّر له؟! إن ابتعدنا وتنكّرنا، فما الفرق بيننا وبين الأصوليّين؟! وكيف نترك المجال لمن اختار الأصوليّة الدينيّة الإسلاميّة طريقةَ حياة وتفكير وسياسة أن يقرّر هو لنا أنا وأنت أن نبتعد عن الفكر الذي يعاديه هو (الفكر العَلمانيّ الوطنيّ التقدّميّ)؟!


     
// نـتـيـجـة تـسـتـحـيـل سـبـبًـا...


      ولماذا تفشّت الأصوليّة؟
      باقتضابٍ متهرّبٍ من مشقّة البحث الشامل ومتحرّرٍ من ادّعاء امتلاك حلول (إذ ليس لديّ سوى اقتراحات وتذكيرات)، أسمح لنفسي أن أقول ما يقوله الباحثون: الأصوليّة تفشّتْ، لفشل سواها. الفكر القوميّ والفكر اليساريّ في مأزق. الأصوليّة تغذّت من هذا المأزق. الأصوليّة جاءت لتملأ فراغًا خطيرًا بفكر أشدّ خطورةً.
      وهنا يأتي دَوْر الأطر السياسيّة الوطنيّة، إضافة إلى دَوْر كلّ من الأطر الاجتماعيّة والتربويّة التي بها هي كذلك تُناط مَهمّةُ إحداث التغيير الاجتماعيّ. الأطر السياسيّة هذه صحيح أنّه يُنتظَر منها أن تؤدّي دورًا حاسمًا، في توعية المجتمع والارتقاء به، وأن تضاعف جهودها في هذا الشأن، لكن من واجب المثقّفين دعمها بالانتساب والانخراط في أنشطتها، ومناصرتها بالتأييد والانتخاب، وعدم تنفـير الناس منها متمحوِرين في أخطائها وزلاّتها وهفواتها، منتقدين إيّاها انتقادًا هدّامًا، مدّعين أنّ السياسة أحابيل ومداهَنة وكذب!
      الكذب ليس سلوكًا مقصورًا على أهل السياسة. الكذب سلوك بشريّ عامّ تعاني منه وتلجأ إليه المجتمعات كافّة. وأولئك "الحياديّون" الذين يأخذون على عموم السياسيّين أنّهم يلجأون إلى الكذب، هم أنفسهم يمارسونه بكلّ ألوانه: أسْوَدِهِ وأبْيَضِهِ ورماديِّهِ. يمارسونه عفوًا أو تعمّدًا، بوعي أو بدون وعي.
      نتجنّى على أُطُرنا السياسيّة حين ندّعي أنّ وجودها يساهم في صنع واقعنا الدميم الذميم. واقعنا يتّصف بالدمامة؛ لا شكّ في هذا. لكن في رأيي، لولا هذه الأطر الوطنيّة، لكان هذا الواقع أقبح وأسوأ بكثير. أقول هذا، أنا غير المنتسب رسميًّا فعليًّا إلى أيّ حزب سياسيّ، محاولاً إنصاف أحزابنا الوطنيّة التي يظلمها الجمهور حين يقوم باتّهامها بـِ "تقصيرات" في أمور هي في الحقيقة من واجب الحكومات ومسؤوليّاتها وصلاحياتها. أحزابنا الوطنيّة هنا ليست حكومةً من واجبها تأمين العيش الكريم لكلّ منّا، وتوفير الميزانيّات وفرص العمل والدراسة والخدمات الصحّـيّة وغيرها. لا تحمّلوا أحزابنا ما فوق طاقتها! تلك الأحزاب ليس من مسؤوليّتها أن توفّر لنا لقمة العيش، بل تحاول أن تنظّمنا كي ندافع عن حقّنا بلقمة العيش، وعن وجودنا وبقائنا.
      هذه الأحزاب، التي تتبنّى قضايانا وتمثّلنا، هي نفسها تحتاج إلى دعمنا نحن. نظلم أنفسنا إنْ بخلنا على أحزابنا الوطنيّة بالدعم والتأييد. بتأييدنا ودعمنا لها نجني فائدتين ضروريّتين متكاملتين: نواجه السلطة، ونواجه الرجعيّة والأصوليّة الدينيّة. بهذه المواجهة، ندافع عن وجه مجتمعنا ناصعًا. بهذه المواجهة، نساهم في خلق واجهة نضاليّة مشرِّفة. بهذه المواجهة، نحافظ على وَهَج الحياة وماء الوجه!
      هل من شكٍّ في أنّ تعزيز هذه الأحزاب من شأنه أن يساهم في خلق مُناخ وطنيّ مهيمِن ينعكس إيجابًا على مستوى العلاقات الاجتماعيّة؟!
      هل من شكٍّ في أنّ الخطاب الوطنيّ حين تَكون له السيادة قادرٌ هو على إخراس وتحجيم كلّ خطاب فئويّ متخلّف؟!
      هل من شكٍّ، بعد، في أنّ الوطنيّة الحقيقيّة سدٌّ مانع في وجه الطائفيّة والعائليّة، وسياج متين يحمي أبناء المجتمع من الأخطار الخارجيّة والداخليّة؟!
      التربية الوطنيّة في البيوت، لا في المدارس فقط (في بعض المدارس -على الأصحّ)، بما تتضمّنه من حبّ للمجتمع وللشعب وللوطن، جزء من الحلّ. جزء مهمّ -وَفق ما أرى.

 

// افـتـراض وتـذكـيـر


      يُفترَض في مَن تهمّهم مصلحة طائفتهم أن يسلّحوا أبناءَ طائفتهم... أن يسلّحوهم بالفكر الوطنيّ والقوميّ والإنسانيّ التقدّميّ النيّر. ذاك هو صمّام الأمان. لا يستهينَنَّ أحدٌ بِدَوْر الكلمة والفكر وبأهمّيّة كلّ منهما! الكلام قد يقدّم وقد يؤخّر. وحين يَصْدر من أفواه المثقّفين، نريده كلامًا مقـدِّمًا مثقِّـفًا مُعْـلِـيًا قيمةَ العقلانيّة والتعقّل، موضِّحًا مَغبّات ومخاطر التعلّق بكلّ ما من شأنه تصديع العلاقات بين شتّى مركّبات مجتمعنا المحتاج.
      في سبيل القيام بهذا، لا بدّ من التذكير بأهمّيّة أن يحافظ المثقّف على خيوطٍ بينه وبين أفراد مجتمعه المحلّيّ، ولا سيّما الناشئة منهم، وأن يحظى بمودّتهم وثقتهم، كي يكون في مستطاعه إقناعهم بأفكاره النيّرة ودعوته الهادية الخيّرة، باحترام وصدق وهدوء وتفهُّم وإصغاء، بلا تَعالٍ وبلا تعالُم وبلا أستاذيّة. وفي هذا الصدد، ينبغي التنبيه إلى أنّ الكلمة المكتوبة -رغم قيمتها وأهمّيّتها- ليست بديلاً عن الكلمة المنطوقة، فشعبنا (ولنكن من أهل الصراحة) من الصعب اعتباره شعبًا قارئًا. الكثير ممّا يُكتَب لا يُقرأ. وبعض ما يُقْرأ لا يُفهَم أو يُساء فهمه أو لا يستحقّ القراءة. على وجه العموم، الكلمة المكتوبة أكثر انتشارًا وأقلّ وصولاً، والكلمة المنطوقة المباشِرة أكثر وصولاً وأضمن تأثيرًا.


     
// تـذكـيـر آخَـر


      كذلك لا مناص من تذكير مثقَّفينا ومبدئيّينا بكلام قاله زياد الرحباني بلسان عبّاس شاهين (على ما أذكر)، في برنامجه الإذاعيّ "العقل زينة"، قبل أعوام عشرين.
      والله يا ابن العاصي والفيروز، كلماتك البسيطة هذه من أكثر ما تستحضره ذاكرتنا كلّما لاحظنا أو شعرنا أنّ الواقع يكاد يُفلح في ذبحنا وسلخنا عن نفسنا. كلماتك تنقذنا من رجعيّتنا الدفينة ومن استسلامنا للواقع والتسليم بآفاته وموبقاته. تنقذنا من أن نتحوّل إلى تقليديّين وقانطين. كلماتك طوق نجاة. كلماتك محرِّضٌ هادئ على التمسّك بالحقيقة وبالحقّ والإصرار على المبدئيّة.
      في ذاك البرنامج الإذاعيّ، قال الرحباني زياد ما يمكن "ترجمة" بعضه إلى فصيحة غير نائية عن العامّية على النحو التالي:
      "أنا أريد تغيير البلد؟! من أين هذا الادّعاء؟! أنا يكفيني ألاّ يغيّرني البلدُ. قليلةٌ هذه؟!".

 

// ...أنـتـم، يـا مـلـح الأرض!


      لا ينبغي أن يقتصر دَوْر الفئة المثقَّفة على تفسير ما يجري وما جرى، إلى حدّ تبرير السقوط. أعتقد أنّه ينبغي أن تكون هذه الفئةُ المثقَّـفةُ (بفتح القاف المشدَّدة) مثقِّـفةً (بكسر القاف المشدَّدة) -كما أسلفنا-، وأنّ قسطًا غير ضئيل من دورها ينبغي أن تمارسه بين أبناء الطائفة التي تنتسب إليها. قَوْلي الحقيقةَ أمام "الآخرين" شجاعةٌ، لكن ممّا لا ريب فيه أنّ قَوْلي الحقيقةَ أمام "جماعتي" شجاعةٌ لا تقلّ عن تلك.
      في اعتقادي، ليس من المُجْدي، ولا من المقبول، أن يبرِّر دومًا العربيُّ المسيحيُّ (المثقَّفُ وسواه) ابتعادَ المسيحيّين العرب عن العروبة والفكر الوطنيّ بوجود الأصوليّة الإسلاميّة، وبتعرُّض المسيحيّين لاضطهادات واعتداءات وتقييدات من مسلمين في شرقنا المسكين. وليس من المُجْدي أن يقوم العربيّ الدرزيّ بالعمل ذاته. ثمّة فرق كبير بين أن نحمي أنفسنا وأن نعزل أنفسنا. وعمّن نعزل أنفسنا؟! عن أنفسنا؟! عن شعبنا؟! أين الصواب في نزع الرئتين من الجسد "حمايةً" لهما من اضطرابات القلب؟! أرى أنّه على كلّ من المثقّفين، لدى كلّ أطراف الجسد العربيّ، أن ينبّه أبناء مجموعته الدينيّة أو الطائفيّة إلى مصلحتهم الحقيقيّة. مصلحتهم الحقيقيّة ليست إلاّ بين ظهرانَيْ شعبهم. ليست في التقوقع أو في الانسلاخ عن سائر أبناء شعبهم.

 

// نـاصـر الـديـن الـمـنـذر


      لست أنسى الكلمات البسيطة الصادقة المعبّرة، التي تفوّه بها على مَسمعٍ منّي صديقي الشاميُّ ناصر الدين أسعد المنذر، ابن بلدة جرمانا الواقعة على أطراف مدينة دمشق. ويؤسفني أن تَضطرّني هذه الظروفُ غيرُ المشرِّفة إلى الإشارة باعتزازٍ حقيقيّ أنّه من أبناء الطائفة المعروفيّة، وأنّه أخٌ لي لم تلدنا والدة واحدة -وإن لم يصدّق ذلك مَن لا يرَوْنَ أنّ المسيحيّ والدرزيّ (والمسلم كذلك بالطبع) يمكن أن يكونوا إخوة حقًّا.
      تجمعنا بهذا الرائع صداقةٌ كانت وليدةَ اهتمامنا المشترَك بالفنّ المنير المثير: الفنّ الرحبانيّ (يا لَلفنّ الجميل! جسرٌ يأخذنا إلى أنفسنا النقيّة الشفيفة!). التقيناه -صديقاي وأنا- في عمّان قبل بضعة أعوام، وكان قد أتى إلى هناك ليشارك في ليالي رصْدٍ فَلَكِيٍّ ضمن معسكر لمراقبة الشهُب، في إطار نشاط تقوم به "الجمعيّة الكونيّة السوريّة" التي ينتسب إليها.
      قال لنا ابن الشام، أخونا في الرحابنة ابن المنذر (وأستعير هذا التعبير –"أخونا في الرحابنة"- من صديقنا الحبيب ابن ضيعة مرمريتا السوريّة حبيب حنّا حبيب مشكورًا غيرَ مستأذَن!)، قال كلامًا في الإمكان صياغته على النحو التالي: "يا أخي، كلّما قمتُ برصد الشهب والكواكب والنجوم وأذهلتْني رحابة هذا الكون، تذكّرتُ كم هو شديد الضآلة حجم كرتنا الأرضيّة، ذرّة في حيّز شديد الاتّساع، وتساءلتُ بحسرة: كلّ هذا الاتّساع غير المحدود، مقابل كلّ هذا الضيق وهذه الضآلة... كلّ هذا ونحن مشغولون أشدّ انشغال في تصنيف أنفسنا وَفْق الانتماءات المذهبيّة الضيّقة: هذا شيعيّ، وهذا أورثوذكسيّ، وهذا سنّيّ، وهذا درزيّ، وهذا كاثوليكيّ، وذاك مارونيّ، وذلك عَلَويّ...؟! مثيرون للاستغراب نحن!"...
      والله، يا أخي ناصر، لو طَرح مسيحيّونا ومسلمونا ودروزنا تساؤلات كتساؤلاتك، وحملوا فكرًا كفكرك، ووعيًا كوعيك، وإحساسًا كإحساسك، لكنتُ -بلا أدنى ريب- في غِنًى عن كتابة هذه الكلمات. لو أَدركَ كلّ امرئ رحابةَ هذا الكون، لَعَرف مقدارَ نفسه، ولَتخلّى عن ضيق تفكيره وانتمائه.

 

// حِـواريّـة حـزْنٍ يـحـاول الـتـفـاؤلَ


-قبائل نحْنُ. لسنا شعبًا.
*يا أخي، ليتنا نكون قبائل!
-غريب هذا التمنّي! أتمنّى أن أفهم!
*في مجتمع القبيلة، مسموعةٌ ملزِمةٌ منفَّذةٌ أوامرُ شيخها وتعليماتُه وتوجيهاتُه.
-ما نحن، إذًا؟
*يخيَّل إليّ أنّنا الآن "لا شيء"! "لا شيء" بالغُ العظمةِ!
-ومتى سنصبح "شيئًا"؟
*حين تكفّ الطائفة عن أن تكون دفيئـة أولى ووحيدة. حين يكفّ أبناء الطائفة -باقتناع كامل تامّ- عن التعامل مع سائر أبناء طوائف شعبهم باعتبارهم أعداءً أَلِـدَّةً. حين يكون العقل سلاحًا يغتال التخلّفَ وينير الحياة، ولا يكون السلاح نارًا تحرق الحياة وتقتل العقل وتُخلِّف التخلُّفَ والدمار.
-لنكنْ واقعيّين... هل يمكن القضاء على الطائفيّة كلّيًّا؟ أنا... لا أظنّ!
*صحيح، لكن المُهِمّ المُهِمّ أن تقاوَم هذه اللعينةُ (الطائفيّة). استشراؤها لا يعني القبولَ بها والتسليم. هذا المُهِمّ هو المَهَمّة الملقاة على عاتق كلّ حريص على مصلحة شعبه ومصلحة طائفته ومصلحته الشخصيّة الواسعة الحقيقيّة (وهي ثلاث مصالح تجتمع في واحدة). المُهِمّ أن يسعى كلّ الوطنيّين إلى جعل الطائفيّة استثناءً وشذوذًا لا قاعدةً، فيَشعر بالخجل كلُّ مَن يحاول ممارستَها أو امتطاءَها أو الترويجَ لها أو الاتّجارَ بها. مصلحة شعبنا تقتضي أن نخلق ثقافة عامّة بين أناسنا تجعل كلَّ من يفكّر على نحو طائفيّ يحسّ بالعار الطامّ.
-مُهِمٌّ هذا "المُهِمّ"!
*المهمّ وليدُ الهموم. والأهمّـيّة تستدعي الاهتمام.
-عدنا إلى اللعب بالكلمات؟! مُهِمّ... هَمّ...أهمّـيّة... اهتمام... وماذا بعد؟!
*عذرًا! لكن لاحظْ أنّ الهمّ في حالتنا البائسة هو الذي يفرض الأهمّـيّة. ومن هنا يأتي الاهتمام. هموم مجتمعك هي التي تدفعك إلى الاهتمام بقضاياه. والاهتمام بها يحملك على تحمُّل المَهامّ الجِسام. هل أذكّرك بكلمات العظيم ناظم حكمت؟
-بأيّ منها؟
*"إذا لم أحترق أنا
  وتحترق أنت
  ونحترق نحن
  فمَن ذا الذي ينير هذه الظلمات؟!".
-الله، الله!
*والله، يا عزيزي، كلّما استبدّ بي اليأس استعنتُ بكلمات العظماء فاستعدتُ توازني.
-حتّى في مثل هذه الأيّام؟! هل هنالك، بعد، مجال للتفاؤل؟!
*في أيّامنا هذه، على وجه الخصوص والتحديد، نحن أحوج إلى جرعات من الصبر والتفاؤل.
-زَوِّدنا بجرعة أخرى منها، من فضلك!
*"أجمل أيّامنا تلك التي لم نعشها بعد"...
-ناظم حكمت؟! ثانيةً؟!
*وثالثة...
-هاتِ...
*"قد لا تكون الحياة مليئة بالفرح، بعد،
  غير أنّها دَيْن بذمّتك.
  أن تعيش يومًا إضافيًّا
  كيدًا للعدوّ
  واجبٌ عليك"
-سأعيش..."سأعيش رغم الداء والأعداءِ"...

 

//"اعـتـرافـات"


      أراني ملزَمًا بالاعتراف أنّ أوّل ما كتبتُه من هذه المادّة الطويلة هو السطور الأولى من هذه الحواريّة الطويلة. وهي سطور يغلب عليها القنوط والإحساس بالعَجْز. بل لقد وضعتُ عنوانًا لتلك الحواريّة استغنيتُ عنه في وقت لاحق. بل وضعت لها عنوانين متتابعين: "عن "اللا شيء" الكبير!"؛ وَ "عن الفراغ الممتلئ بكلّ ما هو فارغ!".
      كان الغضب اليائس العاجز الحزين قد نال منّي أكثر ممّا ينبغي له، في أعقاب ما حدث للحبيبة شفاعمرو، فانسقتُ إليه وكتبتُ تلك السطور الأولى بعد تردُّد شديد غير طويل. كتبتُها في أعقاب محادثة سريعة جرَتْ بيني وبين بعض زملائي في التدريس في ثانويّة مار إلياس (في بلدتي عبلّين جارة شفاعمرو)، عبّر فيها كلّ منّا بطريقته الخاصّة عن استيائه الحزين الغاضب ممّا حدث في شفاعمرو العزيزة.
      ولا بدّ أن أقدّم اعترافًا آخر، مفترضًا أنّ الأمر قد يهمّ غيري: في وقت لاحق، كنت مزمعًا أن أشطب تلك السطور الأولى، أو الاكتفاء بكتابتها والامتناع عن نشرها، إلى أن عدت إليها ثانيةً وثالثةً ورابعةً، فأضفتُ إليها ما دفع بها إلى منحى آخر بعث فيّ الرضى، وكتبت معها كلامًا آخر مطوَّلاً غير حواريّ خرج على هذا النحو الذي يراه هنا القارئ. حدث هذا بعد أن تمكّنتُ من جعل الحزن الغاضب حالة عابرة، وأحْلَلْتُ مكانه ذهنًا يدنو إلى الصفاء.
      لقد أحسست بالخجل، إذ وجدتُني منساقًا إلى غضبي كما ينساق "محبّو" طوائفهم إلى غضبهم المدمِّر المخْجِل المُزري! حمدًا لله أنّي انسقتُ في النهاية إلى ما كان يقوله عظيمٌ لشقيقه العظيم...


     
// العـاصـي يـوصـي الـمـنـصـور


      إنّه العظيم عاصي الرحباني صانع مَمالك الجَمال، الذي حلّت ذكرى رحيله الثالثة والعشرون في الحادي والعشرين من حزيران المنصرم. إنّه عاصي الذي أقيمت جنازته عام 1986 في كنيسة للروم الأرثوذكس (الطائفة المسيحيّة التي ينتمي إليها)، ثمّ صُلِّيَ على جثمانه في كنيسة للموارنة، ومن ثَمّ مرّ موكب الجنازة من أمام أحد جوامع بيروت. جرى هذا بتعمُّد من المنظّمين المحترَمين المحترِمين للرجل ولجنازته، لا من قبيل المصادفة. عاصي، المسيحيّ الأرثوذكسيّ مَذْهبًا، هو لكلّ "الإخوة الأعداء" (اللبنانيّين). كان هذا خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة البغيضة التي عاشها لبنان على امتداد خمسة عشر عامًا. فنّان بقامة عاصي وأهمّـيّته أسمى بكثير من أن يصنَّف تصنيفًا مذهبيًّا ضيّقًا. عاصي عصيٌّ على التصنيف.
      إنّه العظيم عاصي الرحباني الذي كان يقول للعظيم شريكه الصانع الآخَر لممالك الجَمال (شقيقه منصور) ما ملخَّصُه: "حزنك لك أنت"؛ فكان المنصور العظيم يفهم المراد أو النصيحة، فيُنَحّي قصائده البالغة الحزن عن العمل المشترك بينهما، إلى أن قام لاحقًا، في أواخر ثمانينيّات القرن الماضي، بنشر هذه القصائد ضمن ديوانين شعريّين يحملان اسمه هو. والديوانان هما: "أسافر وحدي ملكًا" وَ "أنا الغريب الآخر".
      عظيم هو المنصور في ما كتب ونشر. أقول هذا بلسان قارئ أَحبَّ هذين الديوانين. وعظيم هو العاصي في امتناعه عن أن يُنْسَب حزنُ منصور الموجوعُ المُوجِعُ إلى كليهما، وعن تقديم الأشعار ذات الأحزان القاتمة هذه ضمن أعمال غنائيّة تحمل توقيع "الأخوين رحباني". كان عاصي يرى أنّ مَهَمّتهما معًا تتمثّل في تقديم الفرح إلى الناس، شِعْرًا ونغمًا وغناءً ومسرحًا، حتّى حين يتعاطيان مع الحزن في فنّهما. معًا تعامَلا مع الحزن بنبل وعظمة وبساطة وجَمال، وابتعدا به عن التفجّع والنحيب. فهل نتّعظ...؟!

 


(عـبـلّـيـن)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا. ليس كلّ شيء بعدهم عدما!

featured

الأضراب العام لذكرى الشهداء

featured

دور ممالك العرب الوظيفي في مآسي العرب

featured

الإسلام "يغزو" الرّواية الفرنسيّة

featured

العتبة: حبر "الاتحاد" الباقي

featured

خربة الجعتون ومصيرها

featured

بين دمقراطية و"دمقراطية"