لا. ليس كلّ شيء بعدهم عدما!

single

هذا ما كتبته على ظهر تلك الصفحة، غداة وداع أمي للمرة الأخيرة. وقد خاطبتها مستهّلة تحيتي بـِ: "يا من يعزُّ علينا أن نفارقهم.."، وإذ بأحد المشيعين يتبعُني بالشطر الثاني ... هو حتمًا، لم يقصد سبقي ولا عنى ما يقول. لكنني، حتمًا قصدتُ عن كامل وعي، عدم استعارة جملة في حشوتها ما قد يُسخّف الحقيقة. وقد تشرّفت بمد يدي لبيت شعرٍ كي أستعير منه صدرًا يفي بالغرض. والمعروف أن للشعراء حقوقًا حصريةً تبدأ بتغيير قاعدة النحو لصالح إيقاع القافية، ولا تنتهي بالمبالغة في تصوير الحالة التي يمرون فيها. ولك أن تتصوّر أيّ جرعةٍ من المبالغة يمكن أن تُضيفها قامة شعرية كالمتنبي لصالح علاقته بسيف دولته الحالمة بالزعامة. ربما كنت سأمد يدي لتطال العجز لو أنني كنت شاعرًا عاشقًا فقد حبيبه بما حمل من الأحلام إلى غير رجعة. هذا بالرغم من ميلي لضرورة الاستسلام للحقائق الكبرى، ومنها أن الموت هو بِكر الولادة الشرعي وآخر عناقيدها.
اليوم، وفي ليلة كانونية صمّاء أخرى، رأيتُني مسوقة للاندساس بين قناعاتي لأتحسس إن كان الهرم قد نال منها خلال خمسة عشر عامًا. وأثنيت عليّ كورقة شاهدة على أن القناعات الكبرى لا تشيخ، وإنِ احتاجت من حينٍ لآخر، بفعل عامل الزمن، إلى بعض اللمسات التجميلية.
كان لقناعتي في ذاك اليوم أن تطفو عجزًا على سطح بحرٍ من الكنوز ذات القيمة الروحية العالية. وجعلت من العجز صدرًا لدردشة بدأت على ظهر ورقة وانتهت في ركنٍ في جارور. وأقول فيها:
"مسكينٌ حامل ذاك المركب النفسي التوّاق إلى القنوط.. وتبًّا لحظه إن كان يدفعه، عند الحزن، إلى استحضار لفظة العدم.. ويا لسوء طالعه إن لم يتوقف عند عناء اللغة أثناء ولادتها لفظة الرّجاء.. ويا لخيبته بعدم ترفعه من صفوف المحسوس والمحسوب إلى الصفوف العليا حيث تقوم الهندسة الفكرية والروحية التي ترسم لوحة الوجدان/ الضمير وتوابعه!
فلقد كان المعلمون في تلك المعاهد خريجي جامعة الأرض بما تُنبت من حقائق لا تشيب مع الزمن. هؤلاء هم الأجداد والجدات، الآباء والأمهات، الرعاة الصالحون والصالحات الذي "قعدوا قْبال عنزاتهم فخلّفت توائم". فرعوها ودافعوا عنها من السقوط "في ذمة العدم الواسعة جدًّا". في قجّة كلٍّ من هؤلاء كنز عظيم مغلف بحرفين "حُبّ"، لكنه مؤهّلٌ لإخصاب أحلام مكتنزة بنعمة عافية الضمير،"القناعة التي لا تفنى".
إنّ هذا وحده كافٍ لحضّ أبناء جيلنا (المخضرمين) على التعامي عن الأجزاء الفارغة من الكؤوس، وقد لا تتعدى الأخماس وأقصاها الأرباع، فتكون ترضية مقنعة لفضيلة البرّ بالوالدين. أما إن كانت معدة العين فارغة فهذه مصيبة. لكنني أميل إلى الاعتقاد بأن ليس في أبناء جيلنا مَن ابتُلي بامتلاء نتيجة نهم العيون، إلّا من شذ عن القاعدة".
وفيما يتعدى المقروء المكتوب قبل عقد ونصف، فحسبنا، أعزائي، أنَّا أبناء وأحفاد فلاسفة البساطة مؤلفي تلك ذاكرة العملاقة المقاومة لعوامل الاندثار تحت أخفاف ديناصورات هذا العصر المتوحش.
(بالرغم من احتوائها على الكثير من الغَثّ...)
فمن العقوق، بل من الجحود ذكر كلمة "عدَم" في حضرتهم، وهم فلاحون بنّاؤون وفلّاحات مدبّرات أقاموا لذاكرتنا قرى أبيّة ومدنًا لأصولها وفيّة.. والأهم هو تشييدهم قصورًا لميراثٍ لم يختصم عليه قطّ ورثاؤه الشرعيون. (ليتهم اليوم يختصمون) !.
عليه يختصمون وهو لا يتعدى حفنة من البذور نمت فوق بصمات أقدام والديهم قصصًا صغيرة متناثرة؟! لكنها ما لبثت أن أثمرت قيمًا أخلاقية تفاخر بمن رووها من ندف سقوف أحلامهم المتواضعة. هذا وما علموا أنها ستحيا أيقونة يقدّسها الزمان رغم أنف لوثة التاريخ.
لكن زمن القداسة قد ولّى، كما شاخ زمن العجائب .. وقد تزامن هذا وصَمَمًا أصاب اذان الله نتيجة ضجيج تضرعنا وترجيع توسلنا، فرأى أن ينأى بأعصابه إلى قرنة توفر له السكينة. فالاستراحة حقّ لكل محارب.
وأمانة لقناعتي (وواجبي) أقول وأدعو إلى "مناطحة العجلة" ما دمنا عاجزين عن "مناطحة البقرة"، فقد ننجح في ترويضها قبل أن تنبت لها قرون أنكى من قرون أمها. وأن لا نأذن لذاكراتنا بالنوم ملء جفونها عن شواردها، بينما تسهر جرّاها عقارب ساعات الزمن تمزج السمّ بالمخدر مصلًا يؤدي إلى موتها السريري أقلّه، وهذا كافٍ للتسهيل على وكلائها زُناة العصر المتناوبين على خدرها، من تشريع الاستيلاء على ثياب سترتها، من أجل ترقيع ذاكرتهم المخزّقة الدامية.
ولا ننسَ أننا الجيل الأخير القادر على التصرّف، فلنتسَلَل من بعض التزاماتنا، نُسرج إراداتنا ونقتحم الميدان لصالح تحصيل حقّ أحفادنا من حقول كنوزهم المطمورة، أو المغمورة بأوراق الفصول. فلعلهم يعودون ببعض الخمائر الصالحة لخبز غدهم. أوليس من حقهم تذوّق نكهة الخبز الخامر؟! أوليس الخبز العويص ثوبًا من ثياب التقشُف ؟! على التقشُف "لاحقين". يبدو أن في نية الزمن فرضه عليهم بشتى الأساليب. لكننا أبناء الرجاء، وحكيمنا ذاك الشيخ القائل: "زرعوا فأكلنا نزرع فيأكلون".
(معليا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لبنانيات: ديموقراطية التوافق وديموقراطية الأكثرية

featured

زادُهُ الـتـواضـعُ، وطِـيـبُـهُ سـمـْعَـةٌ طـيّـبـةٌ

featured

ثلاثة منافسين وتزوير؟؟!

featured

ما أسهل التوصيف

featured

حقائق يجب معرفتها

featured

مِحْنةُ خسارة الذات!!