*التفريق بين الأمم المظلومة والتابعة والمهضومة الحقوق والأمم الظالمة والمستثمِرة التي تتمتع بكامل حقوقها
* تبقى هذه الحقيقة قائمة مهما استخدم بخور التوراة والدين لتمويه رائحة الاقتصاد السياسي والتوسع الاستعماري
* تمكين إسرائيل من القيام بدور الحارس الأمين لمصالح الغرب الاستعماري هو الهدف الحقيقي الذي تتلاقى عنده مصالح الحركة الصهيونية والدول الغربية*
يقول لينين في المسودة الأولية في مسألة القومية والمستعمرات "ينبغي للحزب الشيوعي، النضال ضد الديمقراطية البرجوازية وفضح كذبها ونفاقها.. وأن يضع في المقام الأول في المسألة القومية أيضا لا المبادئ المجردة والشكلية، بل أولا، المراعاة الدقيقة لأوضاع الزمان والمكان وفي المقدمة الوضع الاقتصادي، ثانيًا الوضوح في فرز مصالح الطبقات المظلومة، مصالح الطبقات الكادحة والمستثمرة من المفهوم العام لمصالح الشعب بوجه عام، وهو المفهوم الذي يعني مصالح الطبقة السائدة، ثالثًا التفريق بالوضوح نفسه بين الأمم المظلومة والتابعة والمهضومة الحقوق والأمم الظالمة والمستثمِرة التي تتمتع بكامل حقوقها..".
أسبوعان يفصلان حدثان نحييهما كل عام، لكن بدون أن نضع رابط فكري بينهما، خصوصًا وأننا أصحاب هذا الفكر الأممي النير أصبحنا نتوارى في الإفصاح والتعبير عنه، ولا نعمل على تجذيره بين صفوف الشباب والأجيال الصاعدة، ونتوارى في إظهار المعاني الأصيلة التي تتسم بصبغتها الإنسانية ومؤازرتها لكل الطبقات المسحوقة ومهضومة الحقوق القومية والاجتماعية والاقتصادية، وعدم إظهار الطابع القومي في هذا الفكر أو ما يتضمنه فكرنا الشيوعي في هذه المسألة من مواقف جريئة وواضحة هي الرد على كل من يزايد علينا بفكره القومي المتشرذم والغير واضح المعالم والذي يخلط الحابل بالنابل.
باعتقادي أن هاتين المناسبتين هما فرصة حقيقية لإحيائهما على صعيد استنبات الفكر الأصيل من مخازنه الكاسدة نوعًا ما، عذرًا، ومناقشة طروحات غيّبت أو غابت عن مفاهيمنا، ولم نعد نسمعها تتردد بين مصطلحاتنا المتداولة ونقاشاتنا المتنوعة، وأنا أقصد بالتحديد تغييب المفهوم الاستعماري لدولة إسرائيل والحركة الصهيونية من الحيز السياسي الخاص والعام. ولذلك أؤكد على ضرورة استنبات هذا النقاش وإخراجه إلى حيز النور خلال الفترة القادمة، وربطه في المناسبتين اللتان سنحييهما في أول ومنتصف أيار.
يقول صادق جلال العظم في كتابه دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية: "إن رائحة "الاقتصاد السياسي" هي التي تفوح بقوة من تاريخ علاقات الحركة الصهيونية ببريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة وليس رائحة التوراة والدين. وتبقى هذه الحقيقة قائمة مهما استخدم بخور التوراة والدين لتمويه رائحة الاقتصاد السياسي والتوسع الاستعماري." ومع تبدل أشكال الاستعمار وألوانه احتفظت إسرائيل بمكانتها المميزة في خدمة الدول الاستعمارية والتزامها بالدور المناط بها في خدمة مصالحها، والتصاقها بهذا النهج بدءًا بربط مصالحها الاقتصادية واستفادتها اللامتناهية من المواقف السياسية المؤيدة والداعمة لها، والحفاظ على الدعم الاقتصادي الذي يضمن لها استمرار بقائها وتقدمها على باقي دول المنطقة.
*من الانتداب إلى الاستعمار الجديد*
لا يمكننا أن ننسى أن الفضل الأول في قيام إسرائيل يعود إلى الإمبراطورية الاستعمارية الكبرى- بريطانيا، ولم يكن لبريطانيا أصلاً منذ إعطائها وعد بلفور أي شك بأن إسرائيل هي حليفتها الأولى في المنطقة، وبالتالي إسرائيل أيضًا ملزمة بالحفاظ على مصالح بريطانيا وباقي الدول الاستعمارية في المنطقة. مع أن مفهوم الاستعمار لم يعد مستهلكًا منذ عشرات السنوات، إلا أن الدول الاستعمارية لم تبدل نهجها، حيث أن تنفيذ السياسة الاستعمارية لم يعد بحاجة إلى احتلال البلدان والسيطرة عليها بشكل فعلي، وتنصيب الحكام الأجانب على البلاد، لقد أصبح الاستعمار الحديث أكثر سلاسة من السابق، ويقوم على سياسة التصاق المصالح التجارية والاقتصادية من خلال التبعية وعدم القدرة على الاستغناء عن المواد والخبرات التي توفرها هذه الدول، وبالتالي يكون التأثير والتحكم بمقدرات الدول النامية هو الوسيلة التي تضمن استمرار هذه التبعية. وأي خلل في هذا التوازن يؤدي الى خسارة الدول النامية مقدراتها، وإلحاق الضرر باقتصادها التابع الذي يعتمد بالأساس على التكامل الاقتصادي الآتي من الغرب.
لقد أصبحت إسرائيل اليوم قوة اقتصادية لا يستهان بها على صعيد الشرق الأوسط، وحصولها على الدعم المتواصل من الدول الغربية يتيح لها الحفاظ على هذا الموقع المميز، كذلك لإسرائيل عدا عن مكانتها الخاصة لدى الولايات المتحدة الأمريكية مكانة مميزة في الاتحاد الأوروبي، إذ تحوز إسرائيل على معاملة خاصة واتفاقيات دعم في شتى المجالات وتتمتع بأفضلية خاصة. لذلك لا يمكننا الفصل بين الصيرورة التاريخية لدعم قيام إسرائيل واستمرار الدعم المتواصل لها، من نفس القوى التي تغذي مصالحها في المنطقة من خلال دعمها لإسرائيل.
إن التاريخ القصير للمنطقة يعيد إلى أذهاننا أن معارضة قرار التقسيم الذي يعتبر جزءًا من المخطط الاستعماري في المنطقة، كان مسوغًا بالحجج والدلائل التي تؤكد أن تنفيذ المشروع الصهيوني يجسد استمرار نفوذ القوى الاستعمارية في المنطقة، وتمكين إسرائيل من القيام بدور الحارس الأمين لمصالح الغرب الاستعماري هو الهدف الحقيقي الذي تتلاقى عنده مصالح الحركة الصهيونية والدول الغربية. وإن استمرار إسرائيل بالقيام بهذا الدور في المستقبل منوط بعوامل كثيرة منها استمرار تخلف الشعوب العربية وتسلط الحكام العرب، ودفع المنطقة إلى دوامات جديدة تؤكد من جديد الحاجة إلى التدخل المباشر للقوى الأجنبية في القرارات السياسية والسياسات الاقتصادية في المنطقة.
إن الدور الأجنبي في المنطقة والذي بدأ يبرز في العهد الأخير للدولة العثمانية أصبح اليوم جزءًا من القرار السياسي الذي يتحكم في المنطقة، فالوجود العسكري في العراق والخليج وتسليح السعودية، وزرع الفوضى في لبنان ومحاولة إقصاء سوريا عن لعب أي دور في المنطقة، وإبراز إيران على أنها الخطر المحدق بسلامة الشرق الأوسط ينذر بمشروع غربي جديد، قد يكون المرحلة المخفية لمشروع ما بعد العراق، ومن المؤكد أن إسرائيل تلعب دور أساسي فيه، كما لعبت في مشروع تصفية العراق.
نحن لا نتحدث اليوم عن أوهام، ولا أريد أن نجتر مصطلحات كانت رائجة في السابق، لكن من ينظر إلى الأحداث الجارية اليوم، ويضعها في سلمها التاريخي خلال المائة عام الأخيرة يرى أننا نواجه نفس المشاريع الاستعمارية، لكنها اليوم بحلة جديدة، وبنمط متساهل من قبل غالبية الزعامة العربية في الجزيرة العربية وصولاً إلى مصر والمغرب العربي. ولن نفاجأ اليوم إذا ما علمنا أن بعض زعماء العرب يتلقون رواتب رسمية من الجهات الاستخبارية الغربية كما كان يتلقي بعض ملوكها.
إن استمرار المشروع الصهيوني الذي يقوم على مركبين هما دولة إسرائيل والوكالة اليهودية، وعدم الاستغناء عن العقلية الصهيونية، والفكر الصهيوني المرتبط بمصالح رأس المال والقوى الاقتصادية العالمية، يحتم القيمين عليه من استمرار عدائهم لشعوب المنطقة، والاستمرار بتهييج المجتمع الإسرائيلي ضد مصالح المنطقة، وتلقينه الروح العدائية للعرب ودول الجوار، من خلال المنهاج التعليمي والحركات الشبابية المختلفة التي ينخرط بها أبناء الشبيبة كجزء من بناء الروح الصهيونية. إن النهج المتبع في غالبية الحركات الشبابية يقوم على أمجاد تاريخ الحركات الاستيطانية التي أسست المستوطنات الأولى، في الهجرات المختلفة، حيث لا يتم ذكر أي شيء خارج حدود الصهيونية كي لا يتصادم هذا الطرح مع الحقائق التاريخية.
إن استمرار وجود إسرائيل وربط مصالحها بالدول الغربية لن يؤدي إلى أي تغيير في نهجها العدائي، ولن يحسن علاقاتها بدول الجوار، من جهة أخرى إن استفادة الدول الغربية الاستعمارية من هذا النهج القائم، بحيث تضمن هذه الدول مصالحها مع الطرفين، لن يؤدي إلى تحسين العلاقات بين دول المنطقة وإسرائيل، وحل القضية الفلسطينية، وطالما لا يوجد أي تهديد لمصالح الدول الاستعمارية فإنها ستحافظ على الوضع القائم، لكن بما أن استمرار الهدوء يتيح الإمكانية لبعض العوامل والقوى أن تزعزعه، فان الدول الغربية هي التي تحيك هذه الزعزعات من أجل التحكم بها، وبقاء سيطرتها على المنطقة.
باعتقادي إن التصاق المصالح الاستعمارية بوجود إسرائيل يحتم علينا كشف أعماق الفكر الصهيوني، ونزع القشور الدينية عنه، ويتوجب علينا الإفصاح بوضوح بأن المشاريع الاستيطانية التي تهدف إلى السيطرة على الأرض العربية هي تمامًا كإنشاء مستعمرة أوروبية في أفريقيا، وأن الفكر الصهيوني كما أراد له مؤسسوه ملتصق بالمصالح الاستعمارية كما يقول جابوتنسكي: "إن موقفنا من القضايا الاجتماعية مختلف: فهو ليس إلى اليمين ولا إلى اليسار، بل هو استعماري متصلب".
