عمت صباحًا يا سميحُ

single

     سامحني يا سميح! فأنا من الذين لا يستطيعون الكتابة لك وعنك مباشرة بعد جنازتك، ولمّا تعودت غيابك الجسدي بعد. وقد كانت مهرجان، تمامًا كتلك المهرجانات التي كانت تقام أيام زمان لك ولزملائك من شعراء في المناسبات الوطنيّة. وقد كانت لهجة الشعر خطابية، تمامًا مثل الخطابات التي ألقيت أمام أو خلف النعش، وماذا تفرق؟  والتي لم يكن ليرضيك بعضها، لما فيه من المبالغة والتزلّف للأحياء من محبيك، الذين عرفوا كنه جوهرك، وطبعك وطبيعتك المتواضعة والإنسانية...  ولكنت سوف تغضب من البعض وكيف حاول هذا البعض أن يحتكرك، والبعض الآخر يحتضنك ويدّعي أنك كنت منه وله جملة وتفصيلا. حتى أنني شعرت أن روحك تململت داخل النعش وخرجت ترفرف فوق الجماهير الغفيرة التي جاءت تودّعك الوداع الأخير، ولتصفّق لك التصفيق الأخير  كما كان يفعل الإغريقيون لأبطالهم المأساويين قبل أن يوارونهم التراب! نعم، كنت بطلًا مأساويًا في صراعك الأخير مع المرض، خلال أربع سنوات مضت، لم أجرؤ فيها على عيادتك. وإن كنت ألتقيك خلالها في بعض المناسبات، ولم أجرؤ على سؤالك عن صحّتك! كنت أودّ أن أتعامل معك دائمًا كما أنت، عنيدًا في الحق، قوي البأس، صعب الشكيمة، لكن بشوشًا، دائم الابتسام، واضحًا فيما تقول، صريحًا، وضاح الجبين. أعذرني! فأنا لا أستطيع تقبيل الجثامين، ولا النظر إلى وجوه الأموات، أريد الاحتفاظ دائمًا بالصورة القديمة...أذكرك عندما شتمتني أول وآخر مرّة قبل عشرين عامًا، يا ابن العم، كما كان يحلو لك أن تناديني. أذكر أنها ضاقت واستحكمت حلقاتها.. وكنا في المؤسسة العربية لحقوق الإنسان قد أعلنا عن وظيفة مدير شاغرة. شاورتني ونصحتك أن لا تتقدّم... ولكنك لم تمتثل نتيجة لضغط الواقع المادي اللئيم والشرس. قال أحد أعضاء اللجنة: لا نستطيع التعامل مع أنصاف الآلهة! ووقع عليّ الاختيار لإخبارك... قلت لك: هذا ثوب ضيّق عليك... أنت أكبر بكثير... قلت لي: ما الذي دهاك على المر (؟)، وشتمتني تلك الشتيمة المحببة. لا أمان في هذه الدنيا.. والإنسان يتنازل في وقت الضيق.. اختلفت مع الشيوعيين، خرجت من صفوفهم ولم تعاديهم. تماما مثل توأمك محمود.. حتى عندما عملت في "كل العرب". معليش يا صديقي! كان الكل يتناهش جسدك النحيل وهو مسجّى.. كل يقول: هو لي!  معليش.. كل خطيب يفصّلك على مقاسه هو، لا مقاسك... وبلغة عربية مكسّرة.. ومنهم من تحدّث عن نفسه أكثر مما تحدّث عنك! وأنت، كعادتك تسامح يا سميح!  سامحني بنصفك الإنساني الذي أخطأ وأصاب، وبنصفك الإلهي الذي كتب الشعر!

قد يهمّكم أيضا..
featured

تجربة صحافي محترف مع "الجزيرة"

featured

(المختار) أبو عليّ

featured

مواجهة إيران «أولوية»

featured

حقيقة مواقف واشنطن!

featured

ليس التألّم علامة الخضوع !

featured

ثلاثة عَجَزَة، وحدهم في جَيْب معزولون

featured

قال سعاديا أنا عربي ابن عربي