نحو خمسة عشر ممثل للجماهير العربية والقوى اليهودية التقدمية في "القائمة المشتركة"
توقفت مجددا وكثيرا أمام الرفض المبدئي الذي اعلنته بعض الاطراف والقوى الوطنية الفلسطينية لمبدأ مشاركة فلسطينيي 1948 في انتخابات الكنيست، امتدادا لموقف تاريخي رافضا المشاركة في الانتخابات لانها تعني الاعتراف بالعدو وبكيانه ومؤسساته، واكد هؤلاء على ضرورة مقاطعة الانتخابات الإسرائيلية جملة وتفصيلا، ولفت نظري التبريرالسطحي والساذج عند البعض الآخر لهذا الموقف بحجة ان المشاركة في الانتخابات توفر الغطاء للاحتلال الإسرائيلي! فماذا لو زال الاحتلال؟!
لست هنا لاناقش قوة وبلاغة التعقيب، ودقته في التعبير عن موقف مبدئي ايديولوجي ضد اي شيء قد يفهم منه او يؤدي للاعتراف بالكيان ومؤسساته، وانما لأُعيد مناقشة الموضوع مجددا مع نفسي ومع الآخرين، ارتباطا بثلاث مسائل اساسية وجوهرية:
الأولى - أليس جوهر صراعنا من الأساس مع الصهيونية كحركة عنصرية وما تفرضه من سياسات وقوانين تمييزية عنصرية، هو أن نواجهها ونحاربها في كل مكان وزمان وفي عقر وكرها وليس دارها.. واعتقد بان ? احد يقلل من أهمية الكنيست وأهمية الصراع من داخلها، وكما ثبت بالملموس وعبر التاريخ فمشاركة فلسطينيي الداخل لم تقدم للصهيونية العالمية اي شيء، ولم يأخذ الكيان الصهيوني رصيده الديمقراطي عالميا من المشاركة الفلسطينية ابدا.
الثانية - للنضال أشكال وأساليب متنوعة ومتعددة، منها النضال من الداخل وهذا لا يعني بالمطلق الاعتراف بالعدو وسياساته وقوانينه، وحتى لو فلسف البعض ذلك انه اعتراف، فلا قيمة له من الناحية القانونية او الدولية، ولا حتى من الناحية الشكلية لا من قريب ولا من بعيد.
الثالثة - من الناحية الواقعية العملية، وحيث انه لا مجال في الظرف والواقع الحالي ان تشارك هذه الفئة من جماهيرنا باشكال نضالية اخرى، هل يجوز ان نعطل طاقات وامكانيات ما يزيد عن مليون ونصف المليون من شعبنا؟ فالمشاركون بالانتخابات لا يحملون الصفة التمثيلية لاسرائيل ولا يدعونها ولا يطالبون بها ولا احد يطالبهم بذلك، بل وفوق هذا فإنهم يعلنون ليلا ونهارا أنهم متمسكون بالثوابت الوطنية الفلسطينية من جهة، وبان هدفهم من التمثيل الانتخابي هو مقارعة ومحاربة الصهيونية وللحد من غلاة متطرفيها وقوانينهم العنصرية وللدفاع عن حقوقهم ووجودهم على ارض وطنهم.
اتفقت الأحزاب في الداخل لأول مرة في تاريخها على خوض الانتخابات المقبلة في 17 آذار القادم ضمن قائمة واحدة مشتركة، لتجاوز قانون رفع نسبة الحسم للحد من تمثيل العرب والأحزاب الصغيرة. وتشغل الأحزاب الفاعلة بين الجماهير العربية في الكنيست السابقة 12 من أصل 120 مقعدًا، في حين يمثل العرب في الداخل حوالى 20 % من السكان، وتضم القائمة التي يعتبر الحزب الشيوعي عمودها الفقري، كلا من حزب التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية الجنوبية والحركة العربية للتغيير.
مما لا شك فيه ان تشكّيل القائمة القائمة للانتخابات، قد شكل صدمة سياسية للإسرائيلي، باعتباره حدثا تاريخيا، وتحولا نوعيا في اشكال ومسار نضال ابناء الداخل الفلسطيني، فقد قامت السياسة الصهيونية على قاعدة فرق تسد البريطانية الاصل، وعملت على تشتيتهم او استيعابهم باحزابها الصهيونية وخاصة في صفوف حزبي العمل والليكود الشهيرين، وأقراني بالعمر يتذكرون بألم وحزن بالغين كيف كان ينبري احدهم للدفاع عن حزب الليكود وينبري الآخر للدفاع عن حزب العمل! ولم تقتصر معاناة ابناء الداخل على ما فعله بهم الاعداء، بمقدار ما نالهم من الأقرباء الفلسطينيين والعرب من عزل ومقاطعة تحت عناوين وشعارات أتفه من تافهة ولا تعبر إلا عن جهل مستحكم، وفي هذه اللحظة بالذات، تذكرت ما تعرضت له قبل ما يزيد عن 20 عاما خلت من عقوبات وبطش حزبي ومحاربة في لقمة عيش ابنائي لمجرد انني التقيت عام 1995 م بأحد ابناء الداخل بحضور نخبة سياسية وثقافية فلسطينية اردنية في احد ابرز الصالونات السياسية في عمان.
إنني اعتبر تشكيل القائمة المشتركة انتصارا كبيرا لجماهير الداخل، وليس أدل على هذا الانتصار من رد فعل اليمين الاسرائيلي الاكثر تطرفا ممثلا بليبرمان وزير الخارجية.. إنني اعتبر تشكيل القائمة انتصارا للأسباب التالية:
- لأنه وحّد بنسبة كبيرة ابناء الداخل في اطار وطني واحد.
- لأن برنامج هذا الاطار وطني بامتياز ولا تشوبه اي شائبة.
- لأنه ? يترتب على المشاركة هذه أية نتائج سلبية او أية التزامات ضارة على الاطلاق.
- لأنه انهى حقبة من الزمن كانت قبيحة، وفتح آفاقا جديدة للعمل الوطني في الداخل.
- لأنه في موقع نضالي استراتيجي وهام، قلبه القدس، وما ادراك ما القدس؟
على ضوء ما سبق، وفي ضوء المتغيرات الكبرى التي طرأت منذ تكوين الكيان الغاصب وحتى الآن، والبعيدة كل البعد عن القيم والمفاهيم التي كانت سائدة وكانت صحيحة وسليمة وقتها، لم يعد من العقلانية في شيء الاستمرار بذات المواقف التي فقدت اي مضمون، وعطلت دور وفعل مليون ونصف المليون انسان من ابناء شعبنا. ولا بد من التجاوب مع مستجدات ومتغيرات العصر واتخاذ المواقف المنسجمة مع تلك المتغيرات التي تفرض علينا الوقوف معهم بكل قوة في هذه المعركة ولدفعهم للمزيد من الوحدة والاتحاد.
(طولكرم)
