لعبة "المونوبولي" الكبرى لرفع القيود

single

(أوروبا الطاقة بين المنافسة والتبعية)


في شهر آب من العام 2004، تسبّب تغيير الوضع القانوني لشركتي كهرباء فرنسا وغاز فرنسا، اللتين حُوِّلتا إلى شركتين مسهمتين مغفلتين، بفورة اضطرابات في أوساط الموظّفين. فقد اقترحت نقابتا الشركتين الحكوميّتين سابقا القيام بعملية دمج بين المجموعتين بغية "تعزيز الخدمة العامّة". وقد جاء الردّ المعارض وبصوتٍ واحدٍ من الإدارتين ومن وزارة الاقتصاد والمال والصناعة قاطعا: العملية مستحيلة، وهي ستتسبّب "بتكاليف اجتماعية واقتصادية ضخما". وراحوا يؤكّدون في الكواليس أنّ المفوّضية الأوروبية سوف تفرض بدلا باهظا في المقابل: التنازل عن أصول، وعقد اتفاقات تجارية وتموينية. هكذا تؤمّن أوروبا (أحيانا) سندا مهمّا للتبريرات.
اعترض في حينه السيد فريديريك أمبرخت، الأمين العام لاتحاد المناجم والطاقة (FNME) في الاتحاد العمالي العام (CGT)، مذكّرا بأنّه "عندما جرت عملية دمج شركتي "E.ON-Ruhrgas" في ألمانيا في العام 2003، لم يكن البدل الأوروبي المقابل مهمّا إلى هذه الدرجة" [1]، وحذّرت النقابتان من إضعاف الشركتين الفرنسيتين وأبدتا تخوّفا من احتمالات استهدافهما بعروض شراء علنية للأسهم (OPA). ولكن لم يسمع صوتهما، ولا حتّى أنصت إليهما.
وحيث كانت شركة غاز فرنسا في موقع ضعفٍ إزاء شركة الكهرباء، فقد راودتها فكرة طموحة للتحوّل إلى مجموعة لانتاج الطاقة بأشكال متعدّدة، بما يسمح لها بأن تؤمّن بشكل "ثنائي" الغاز والكهرباء. وبحكم هذا الواقع وبفضل انفتاح سوق الطاقة الفرنسي، أملت شركة الغاز في أن تأخذ لنفسها خمسة ملايين زبون من شركة كهرباء فرنسا من الآن وحتى العام 2012، وأن تعوّد زبائنها على الغاز.
في شهر كانون الثاني عام 2006، تحالفت المجموعة الفرنسية-البلجيكية "Suez" مع "غاز فرنسا" محلّيا لتبنيا سويّةص محطتي توليد كهرباء بدارة مشتركة cycle combiné على الغاز، بالقرب من "فوس سور مير Fos-sur-Mer". وفيما كانت المجموعتان تنفيان ذلك بشكلٍ قاطع، راحتا تتفاوضان على التقارب في أكبر سرّيةٍ ممكنة [2]. وفي الشهر التالي، تسارعت الأمور كلّها. فقد أعلنت شركة الكهرباء الايطالية "إينيل Enel" فجأةً عن رغبتها في طرح عرض عام لشراء شركة "Suez"؛ وسرعان ما ردّت الحكومة الفرنسية معربةً عن رغبتها في دمج شركة "Suez" مع شركة غاز فرنسا، ما عنى بالتالي عمليّا خصخصة شركة الغاز الفرنسية.
وستؤمّن المجموعة الجديدة أنواعا متعدّدة من الطاقة، وستحتلّ المرتبة الخامسة أوروبيا في إنتاج الكهرباء والأولى لنقل الغاز الطبيعي [3]، كما راحت الحكومة تذيعه على الملأ من أجل تسهيل ابتلاع الطعم على مساهمي شركة "Suez" الذين ساورتهم المخاوف. وبكلّ لطافة ساذجة، أوضح السيد جان فرانسوا سيريللي، رئيس مجلس إدارة شركة غاز فرنسا، لموظّفيه أنّه ليس في الأمر خصخصةً لشركة غاز فرنسا، بل تأميما لشركة "Suez".
وكان من شأن هذه المناورة السياسية، المتلطّية وراء الحماسة الاقتصادية الوطنية، أن أثارت ردود فعلٍ قويّة في إيطاليا. فالحكومة الإيطالية، التي استاءت من سياسات التدخّل التي اعتمدتها السلطات الفرنسية قد أوحت بأن إجراءات مماثلة يمكن أن تطال الشركات الفرنسية العاملة في إيطاليا، لكنّ شيئا من هذا لم يحدث. وبعد سنتين ونصف، في 22 تموز عام 2008، وبعد تخطّي المعوّقات القانونية والاتّحادية الأوروبيّة والمؤسساتية والدستورية [4]، عقد أوّل اجتماع مجلس إدارة مشترك بين المجموعتين، وهكذا كانت ولادة مجموعة "شركة غاز فرنسا-سويز، التي لم تعد الدولة الفرنسية مساهمة فيها إلا بنسبة 35,7 في المائة.
ولم تكن عملية الدمج المضطربة هذه [5]، المدعومة من الصحافة، سوى مرحلة من لعبة المونوبولي الكبيرة لعملية رفع القيود عن قطاع الطاقة. إذ تتطلّب المنافسة "الحرّة وغير المغلوطة" التي فرضتها بروكسيل تنوّعا في العرض، بينما أضحت أسواق الطاقة في الواقع مركّزة أكثر فأكثر [6]. وفي حين حلّت مجموعة احتكارات خاصّة أوروبية مكان الاحتكارات الرسمية الوطنية، كانت مخاوف المفوّضية الأوروبية تتزايد.
ومع إنشاء "سوق الطاقة المشترك"، كان على المشغّلين التاريخيين المندمجين عموديا (إنتاج الطاقة ونقلها وتوزيعها التي تديرهم الشركة نفسها) أن يتخلّوا عن أصولٍ لهم من أجل أن يفكّكوا بنيتهم ذاتيّا. وبكلمة أخرى، لقد خسروا حصصا من سوقهم الخاصّة. وصار التعويض عن هذه الخسائر أمرا ضروريا بالنسبة إليهم؛ فراحوا يجهدون لذلك إما عبر الاستثمار خارج قطاع الطاقة، وإمّا بالعكس عبر تعزيز مواقعهم فيه. في الحالة الأولى تبيّن أنّ أعمال التنويع مخيّبة في الغالب. وعلى كلّ، تخلّت الكثير من الشركات المختصّة في قطّاع الطاقة عن مساهماتهم: فقد تخلّصت شركة "Suez" من قناة "M6" للتلفزة في العام 2005، وباعت شركة "Enel" مؤخّرا مشغّلها الهاتفي "Wind"، إلخ.
كلّ شيء إذن راح يحضّ المشغّلين على التحوّل إلى المستوى الدولي، وعلى كسب أسواقٍ أوروبية جديدة كما فعلت مثلا شركة كهرباء فرنسا في العام 2003، عندما حصلت على نصف رأسمال شركة "إديسون" الإيطالية. فالسمك الكبير يأكل الصغير. وبما أن أسواق أوروبا الغربية ما تزال مغلقة "بإحكام" فهي تبقى عصية على السيطرة؛ هكذا بات على الشركات الأوروبية الكبيرة أن تلتفت ناحية دول أوروبا الشرقية أو ناحية الأسواق التي أُلغيَت فيها القيود. وهكذا فإنّ شركة كهرباء فرنسا، التي بات لها تواجد في الولايات المتّحدة وفي آسيا، قد اشترت في الخريف الماضي المجموعة البريطانية "British Energy". أما شركة "Enel" فقد بدأت تستثمر من جهتها في عدّة أسواق، وعلى الأخص في رومانيا، من أجل زيادة زبائنها.
وبالنسبة إلى المشغّلين، البديل بسيط: وهو الاستثمار في أسواقٍ جديدة أو شراء حصص في السوق القائمة أساسا. وبما أنّ معدّل نمو قطاع الطاقة ضعيفٌ نسبيا (بعكس قطاع الاتّصالات مثلا)، فإن الخيار يتوجّه بالأحرى نحو التقارب مع بعض الشركات القائمة أساسا، وذلك عبر أعمال دمجٍ وشراء. ومن هنا التركّز المتزايد في السوق الأوروبية. فالشركات الحكوميّة، التي كانت في وضع المحتكر من قبل على أراضيها، تشهد اليوم عملية تحوّلٍ إلى شركات كبرى دوليّة مخصخصة بشكلٍ ما. شركاتٌ ضخمة على قوائم من قصب، لأنها ليست أبدا بمنأى عن عملية عدائية لشراء أسهمها في المزاد العلني...
إن فتح مجال المنافسة قد ولّد في واقع الحال أخطارا متعدّدة في وجه المشغّلين التاريخيين: مخاوف متعلّقة بالتموين، وأكلاف مرتفعة للعقود التجارية، وارتهان إزاء تقلّبات الأسعار. ومن هنا عملية التمركز الاحتكارية في السوق الأوروبية. ما يعني عودة إلى نقطة الانطلاق.

 

هوامش:

[1] صحيفة لا تريبون (La Tribune)، في 24/9/2004.
[2] صحيفة لو كانار أنشيني (Le Canard Enchaîné) في 1/12/2006.
[3] Enerpresse, Paris, 28 février 2006.
[4] لكي يتّخذ هذا التزاوج شكلا مقبولا، صدر مشروع قانونٍ لكي يتمّ تخفيض حصّة الدولة إلى ما دون 36 في المئة من رأسمال شركة "غاز فرنسا"، بعد أن كانت 80 في المائة.
[5] « Retour sur la privatisation de GDF », Le Plan B n°5, octobre-novembre 2006.
[6] من تقريرٍ حول وضع تقدّم إنشاء سوق داخلية للغاز والكهرباء، راجع:COM (2005) 568 final, 15 novembre 2005.

قد يهمّكم أيضا..
featured

عالم استعماري مخادع ، وإرادة مفقودة ...!!!

featured

تفاهمات أبعد ما يكون عن التفاهم والتّفهم!

featured

سموم الخطاب القومجي العسكرتاري

featured

حربنا حضارية فكرية

featured

إجماع صهيوني على استيطان القدس

featured

شهيد الثورة نمر السعدي (1905-1948)

featured

غرب الظلمات – إبن ميكيافيلي-

featured

ما الجديد في السنة الدراسية الجديدة 2014/2015