تحاول أوساط اسرائيلية تصوير اعلانات الحكومة عن مشاريع استيطان جديدة في القدس الشرقية المحتلة، خصوصًا، وكأنها ليست أكثر من "مزاودات" يقوم بها بنيامين نتنياهو، أمام خصومه الانتخابيين في اليمين الأكثر تطرّفًا منه.
هذه المزاعم تعني في عمقها الدعوة الى "تفهّم" نتنياهو وحكومته، وتبرير ممارساته هذه بدوافع التكتيك الانتخابي. كان بالإمكان قبول هذا التفسير، نظريًا فقط، لو لم تكن هذه الحكومة المتطرفة تقوم بتوسيع وتكريس الاستيطان بشكل منهجيّ ومخطط ومتعنّت منذ يومها الأول. فهو بمثابة الدعامة الاساسية لمشروعها الكبير الرافض أية تسوية سلمية عادلة مع الشعب الفلسطيني. لذلك، نؤكد أن هجمة الحكومة الاستيطانية لا تقع في باب الحملات الانتخابية، بل في باب مشروع تصفية حل الدولتين بما يعنيه من انهاء للاحتلال والاستيطان.
كذلك، يجب التوضيح أن جميع أحزاب اليمين والمركز واليسار الصهيونية تجتمع معًا على ضرورة مواصلة احتلال القدس الشرقية. وجميعها، كلّ بلهجته الخاصة، يتمسّك بالجريمة المسمّاة "توحيد القدس" أي مواصلة احتلال شطرها الشرقي. وحين تُطلق بعض أحزاب صهيونية معارضة لنتنياهو انتقادات لحملته الاستيطانية المهووسة، فهي لا ترفضها من حيث المبدأ، بل من حيث التوقيت والملابسات.. إذ تزعم انه يمكن استيطان ضواحي القدس بسهولة أكبر فيما لو تم ذلك وسط "استمرار المفاوضات" لأن العالم سيكون أكثر تسامحًا! فهذه الأحزاب تختلف عن اليمين، في هذه النقطة، بكونها أكثر نفاقًا منه لا أكثر.
هذا الموقف يعكسه، أيضًا، استطلاع جديد نشرت نتائجه صحيفة "هآرتس" أمس، وقد بيّن أن 67% من مصوتي الأحزاب التي تعتبر نفسها "مركزًا" يرفضون "تقسيم القدس". وبالطبع، فهؤلاء المصوتون يعكسون السياسة التي تعبّر أحزابهم عنها، وما يتوقعونه هم من هذه الأحزاب.
إن مشاريع الاستيطان التي تراكمها حكومة اليمين في القدس هي مشاريع حقيقية ومخططة ومنهجيّة، ومن هنا خطورتها. فهي ترسم بشكل عنيف حدود الاحتلال أو ما يتفق الاجماع الصهيوني على اعتباره "الكتل الاستيطانية الكبرى". وبناءً على هذا، فبقدر ما يتحمّل نتنياهو واليمين المسؤولية عن هذا التوسّع الاحتلالي، فإن سائر الأحزاب الصهيونية التي لا تعترف ولا تقرّ بوجوب انهاء احتلال القدس الشرقية، تتحمل مسؤولية مماثلة عن جريمة الحرب هذه.
