يبدو نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" موسى أبو مرزوق، مؤخرًا، بين الشخصيات الأكثر حكمة سياسية في هذا التنظيم. تصريحاته الأخيرة، المرتبطة بهذا الشكل أو ذاك بمسألة ضرورة تجاوز الانقسام الفلسطيني، تشير الى أنه يتحرّك خارج خانة أصحاب الرؤوس التي تضع "الفئوي" قبل الوطني في زعامة "حماس" (هناك أشباه لهؤلاء في زعامة خصومهم أيضًا بالطبع).
فبعد تصريح أبو مرزوق مؤخّرًا بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، مما يعني تأييده انضواء حركته فيها، وفيما يشكّل لبنة هامة في السدّ المطلوب أمام انهيار ما تبقى من الوحدة الوطنية الفلسطينية، عاد وأكّد قبل يومين على ضرورة المضيّ في المبادرة الدبلوماسية الفلسطينية لرفع مكانة فلسطين في الأمم المتحدة، على الرغم من العدوان الاسرائيلي الهمجي المستمرّ على قطاع غزة.
وبكلماته: العدوان "قد يكون رسالة اخرى للسلطة الفلسطينية من إسرائيل بأن لا تتوجه إلى الامم المتحدة". وتابع: "ارجو ان لا يحول (العدوان) دون الذهاب للامم المتحدة حتى لا نعطي هدية مجانية لإسرائيل في هذا الموضوع".
يقف أبو مرزوق في هذه القضية الهامة بعيدًا عن بعض الشخصيات القيادية في "حماس"، والتي تهاجم الخطوة الدبلوماسية الفلسطينية، كما يبدو، بالذات لأن المبادر اليها هو خصمها الداخلي، السلطة برئاسة محمود عباس. وهذا موقف رسمي سبق للتنظيم اتخاذه في اجتماع لـ "حكومة حماس" في القطاع. إذْ اعتبرت أن التوجه للأمم المتحدة "تجاهُلٌ للمصلحة" و "تفريط بالحقوق" الفلسطينية، دون أن تتعامل بشكل جدي ومسؤول بما يكفي مع الأفضليات السياسية المترتبة على انتصار المبادرة.
خلافًا لموقف "حماس الداخل"، فليس فقط أن أبو مرزوق يؤيد التوجّه للأمم المتحدة، بل يعتبر العدوان الاسرائيلي الجديد محاولة لتصفية هذه المبادرة، وهو ما يستدعي الإصرار على إنجاحها. هذا التحليل يتفق عليه كثيرون ومن جهات عدة غير متجانسة سياسيًا بالضرورة. ظهر هذا مثلا خلال تبادل صداميّ للتصريحات بين سفيري فلسطين واسرائيل لدى الأمم المتحدة. فبعد تصريح السفير رياض منصور أن العدوان "كان مقررًا عن عمد لنسف التصويت المقرر أمام الامم المتحدة بعد أسبوعين"، رد رون بروسور، في شبه اعتراف وإقرار بصحّة تحليل منصور، بالقول: إن الاحداث في غزة أظهرت ان الحملة الفلسطينية للحصول على اعتراف دولي لا أمل منها، مضيفًا أن "عليهم ان يغيروا طلبهم من دولة غير عضو إلى دولة ارهابية غير عضو".
إن الفزع الاسرائيلي من التحرّك الدبلوماسي الفلسطيني كان ولا يزال واضحًا. فقد عقدت عدة اجتماعات مغلقة رفيعة المستوى لبحث سبل مواجهتها. أحدها اجتماع "السباعية الوزارية" مطلع الشهر الجاري وإقرار خطة لم يُكشف عنها هدفها "إحباط المبادرة".
بعدها جاء الكشف عن مذكرة لوزارة الخارجية تدعو الى إسقاط وتقويض السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس إذا ما رفض التراجع عن المبادرة. في بعض بنود هذه المذكرة تتحدث إسرائيل بكل صراحة عن تفكيك السلطة الفلسطينية واعادة احتلال الضفة الغربية. وسبق لعدد من المسؤولين الاسرائيليين مثل الوزيرين أفيغدور ليبرمان ويوفال شطاينتس اعتبار أبو مازن "الشخصية الأخضر" ونعته بـ "الإرهابي السياسي" لأنه صرّح عن إصراره المضيّ بطلب الاعتراف من الأمم المتحدة.
من هنا، ليس من المستبعد بالمرة أن يكون العدوان الحالي على غزة جزءًا من "خطة الاحباط" المذكورة في الاجتماع المغلق، وخطوة أولى نحو ضرب السلطة الفلسطينية، وبالتالي توجيه ضربة قاضية للمبادرة المُفزعة.
لقد تأكد مرارًا أن حكومات اسرائيل تفضّل ميادين الحرب على ميدان المواجهة السياسية مع الشعب الفلسطيني. ويذكر الجميع كيف تم رفع وتيرة التصعيد بدرجات وحشية بعد اعلان المبادرة العربية عام 2002. كيف اغتالت اسرائيل قبلها كل بارقة أمل أشارت الى امكانية استبدال حلبة المواجهة بالرصاص بحلبة المواجهة بالسياسة. كيف واجهت "اعلان الجزائر" الذي قبلت منظمة التحرير فيه التسوية، في مثل هذه الأيام عام 1988، فرفع الاحتلال من وتيرة قمعه الانتفاضة الأولى معلنًا رفضه الاعتراف بالمنظمة وعم استعداده لأي تحرّك سياسي.
إسرائيل تخاف المواجهة السياسية لأنها تملك القوة العسكرية، وليس الحق. وستظل تفضّل ميدان الرصاص، طالما أن هذه عقيدتها. لذلك، فالعبرة المطلوبة الآن تتجسد فيما يقوله أبو مرزوق، القيادي الكبير في حماس، والذي يتفق مع خصوم حركته الداخليين في فتح، بشأن ضرورة "إحباط محاولة الاحباط" الاسرائيلية، والصمود أمام هذا العدوان الهمجي ومقاومته في الميدان الفعلي، وكذلك في الميدان السياسي.
إن مبادرةً تجعل حكومة اليمين تصاب بالهلع وتطلق تهديدات قاتلة وتُقدم على أفعال خطيرة بغية تقويضها؛ وتجعل الرئيس الأمريكي براك أوباما يتدخّل بنفسه لوقفها – هي مبادرة لا شكّ مؤلمة لجهاز الاحتلال الاسرائيلي. وهذا مؤشّر كاف على ضرورة التمسّك بها، بعيدًا عن الجدالات الفئوية العقيمة واتخاذ المواقف بناء على هويّة صاحب الموقف وليس مضمون وأبعاد الموقف. هذه الصبيانية خطيرة جدًا في السياسة!
بمعنى ما، إن صدّ هذا العدوان فعليًا وسياسيًا يشكّل فرصة لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، ويأمل المرء أن تكثر الأصوات والمواقف كالتي يعبّر عنها موسى أبو مرزوق.
