الرفيق الراحل ابراهيم حسين محمود حصري، أبو البديع
نُحيي اليوم ذكرى رفيق شيوعي عريق، من شيوعيي الرعيل الأول الأبطال، الذين سطّروا ملحمة تاريخية في حياة الجماهير العربية الفلسطينية في هذه البلاد، حين كان من يختار المضيّ في طريقهم والالتحاق بركبهم الثوري النضالي يتعرّض للملاحقات والاعتقالات وأحيانا للاعدام، استطاعوا بأن تلاطم أكُفُّهم مخرز عصابات الهاجاناه إبان نكبة شعبنا العام 1948 وبعد ذلك في مواجهة جلاوزة الحكم العسكري البغيض.
هذا هو رفيقنا وعزيزنا، العمّْ الغالي ابراهيم حسين محمود حصري أبو البديع، ذهب عنا جسدا ولكنه ترك في قلوبنا عشقا لتراب الوطن وفي نفوسنا وعقولنا إرثا حضاريا لمبادئ سامية غرسها فينا أيام الشباب بالفطرة، حتى أصبحَتْ فيما بعد جزءًا لا يتجزأ من كياننا وثقافتنا، نحن جيل الوسط. رحلتَ عنا يا عمي الحبيب وكان رحيلك كالعلقم، ولكن حلاوة الأيام والأعوام التي رافَقْتَنا فيها هي عزاؤنا، وذكراك ستبقى خالدة فينا ما حيينا.
ولد عمي ابراهيم الإبن البكر للعائلة سنة 1920، بعد عودة جدي حسين الشيخ محمود من العسكرية في الحرب العالمية الأولى والتي مكث فيها خمس سنوات ووصل خلالها إلى حدود روسيا والقوقاز، ليعود إلى وطنه وبيته ليصارع شظف العيش الذي حلّ بشعبنا الفلسطيني في تلك السنوات. ترعرع العم ابراهيم في أحضان والديه، جدي حسين وجدتي عائشة، ونهل منهما ثقافة الانتماء الوطني، وبلورا فيه شخصية المناضل والمكافح، نصير الفلاحين الفقراء والمظلومين والمضطهدين في فلسطين الذين عانوا من سطوة الاقطاعيين المتآمرين مع الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية.
تعلّم العمّْ ابراهيم حتى الصف الرابع في المدرسة الابتدائية الوحيدة في أم الفحم، حيث كان هذا سقف التعليم في المدينة، ورغم تفوقّه الدراسي وانتمائه لعائلة فقيرة لم تسنح له الظروف من مواصلة دراسته خارج البلد، فانخرط بالعمل في الفلاحة مع جدّي حسين، فأصبح فلاحا ماهرا يجيد الحراثة والزراعة والحصيد ليؤمِّن لقمة العيش بكرامة.
التحق عمي ابراهيم في سنوات الثلاثين من القرن الماضي في صفوف المقاتلين المتطوعين للذود عن الوطن في الثورة العربية الكبرى، وانضم لكتيبة "الفتوة" في منطقة أم الفحم، حمل السلاح وقاتل مع رفاقه ضد الاستعمار البريطاني في فلسطين. في سنوات الأربعين بدأ العمل في محطّة تكرير البترول الرفينري في حيفا وسكن في حينه في قرية حوّاسة القريبة من مكان العمل.
خلال فترة عمل عمي ابراهيم في الرفينري تعرّف على رفاق شيوعيين من عصبة التحرر الوطني ووجد فيهم ما يصبو إليه من طروحات طبقية عادلة تساند جمهور العمال والفلاحين في فلسطين، وهكذا انتسب الى عصبة التحرر وأصبح أحد مؤسسي الخلية الحزبية الأولى في منطقة أم الفحم. إبان النكبة التي حلّت بشعبنا في العام 1948، سقطت حيفا فاضطر عمي ابراهيم للرجوع إلى أم الفحم وانصهر في العمل الشيوعي الكفاحي في معركة الصمود والبقاء إلى جانب رفاقه طيِّبي الذكر أبو موسى وأبو سامي الشريدي، منعوا الناس من النزوح ونظّموا المظاهرات الأولى ضد الحكم العسكري وممارساته القمعية ومواجهة مصادرة الأراضي العربية.
عندما صودرت الأراضي الزراعية مصدر الرزق الوحيد للفلاحين، ومن أجل تخفيف معاناة المواطنين ومواجهة الضائقة الاقتصادية والفقر أقام عمي ابراهيم ورفاقه جمعية تعاونية وصل عدد أعضائها إلى أكثر من 400 شخص فلم يرق هذا الأمر للحاكم العسكري فعمل بمساعدة أذناب السلطة وأعوانه من البلد على إفشال الجمعية.
في سنة 1958 قاد ابو البديع ورفاقه طيِّبي الذكر محمد الشريدي (أبو سامي) ومحمود حصري (أبو العفو) وأحمد نصر الله (أبو نشأت) أول انتفاضة فلسطينية في أم الفحم بمناسبة الأول من ايار، حيث يصادف في نفس اليوم مرور العاشورة الأولى لقيام دولة اسرائيل، وحضر إلى أم الفحم القائد توفيق طوبي، وألقى خطابا طالب من خلاله بإلغاء الحكم العسكري ووقف مصادرة الأراضي العربية وإقامة الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين إلى وطنهم، فاصطدم أهالي أم الفحم مع جنود الحكم العسكري واعتقل أكثر من سبعين شابا فحماويا، وصمد ابو البديع بشموخ في وجه الظلم والاستبداد لنصرة شعبه وحزبه.
قرأ العم ابراهيم جريدة الاتحاد يوميا وبدون نظارة حتى يومه الأخير، وحرص دائما على التزامه الكامل بمبادئ وبرنامج حزبه الأممي الاشتراكي والوطني التقدمي، ودافع طوال عمره عن حقوق الطبقة العاملة ورفع دون كلل شعار حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة محافظا على الثوابت الفلسطينية دون تأتأة.
وأخيرًا، لا يسعني في ذكرى هذه الشخصية الشامخة، إلا أن أتقدّم باسمي واسم العائلة بالشكر الجزيل لكل من واسانا وشاركنا حزننا.
عاشت ذكراك العطرة يا عمي ابراهيم منارة نهتدي بها...... ستبقى ذكراك خالدة إلى الأبد.
