دخلت شولميت أرض المزرعة، وهي امرأة جميلة وأنيقة، في الثلاثينيات من عمرها. تحمل بين يديها زجاجتين من الماء البارد والشراب، وبعضًا من كؤوس البلاستيك. ومحمود يقف على الشريط الفاصل بين مزرعته والمستوطنة، في ثورة غضب عارم، يرغي ويزبد، ويصرخ بصوت متهدّج احتجاجًا على تصرّف مجلس إدارة المستوطنة عندما شاهد ما اقترفوه من جريمة اعتداء على مزرعته؛ بداية حفر خط لمد أنابيب للصرف الصحّيّ من وسط مزرعته...
تقدّمت منه شولميت ورجته أن يكفّ عن الصراخ وأن يتريّث ويهدأ، وناشدته أن يخفّف من ثورة غضبه. أمسكت يده وشدّته، فاستجاب لها، قادته فاستظلا بظل شجرة زيتون وارفة الظلال، افترشا الأرض وجلسا.
عرّفت عن نفسها؛ اسمها شولميت، قادمة جديدة، وهي عضو في جمعيّة حقوق إنسان، تؤمن بالمساواة بين الشعبين، تنتمي لتنظيم يساري يحترم حقوق المواطنين العرب، فدرست اللغة العربيّة وتعلّمتها وتتقن التحدّث بها. أعلنت تضامنها معه وعبّرت عن احتجاجها الصارخ على ما قام به مجلس إدارة المستوطنة، فانطلت عليه احبولتها واستحبّ كلامها وانجذب اليه، فاطمأنّ لها وراح يشكو لها معاناته وعذاباته من المستوطنة والأضرار المتكرّرة التي لحقت بمزرعته جرّاء الاعتداءات المتوالية عليها؛ من تحطيم لأشجار الزيتون والدوس على المزروعات الشتوية المختلفة وملاحقته لبيعها، وما قدّموه من عروض وإغراءات ماليّة مع ضمان نيل من الامتيازات لمرافق اقتصاديّة للتسويق تدرّ عليه أرباحًا طائلة، فرفضها رفضًا قاطعًا، قائلّا: "هذه الارض والمزرعة أعتبرها مقدّسة، فهي إرث ورثته عن أبي وجدّي وهي أغلى شيء في حياتي، وقد باتت مصدر رزقي لإعالة عائلتي. وكنت شاهدًا على والدي الذي روى الأرض بعرقه ودمه وهو يحتطب شجيرات السنديان والقندول والبطم، ويقشّ البلّان، فكانت أرضًا وعريّة صخريّة لا تصلح إلا للشجر، كالتين والزيتون وكروم العنب... فراح والدي يستصلحها بالشاقوف والنّخل والمعول، وبالقزمة والمنكوش حطّم الشقفان وطوّع الصخور واقتلع الحجارة وجعلها ربعانا وبنى من الحجارة سلاسل وقاية من انجراف التربة بسبب الأمطار في فصل الشتاء. وصارت صالحة لزراعة القمح والشعير ويحرثها على الفدّان من ثور وحمار، أو على فرس. وكانت مساحتها عشرات الدونمات. عندما شرعوا بإقامة المستوطنة، وبشتّى الذرائع الخارجيّة والأسباب الواهية وقوانين المصادرة العديدة وخاصة قانون مصادرة الأراضي لمصلحة التطوير وبعد جلسات عديدة في المحكمة وكانت مكلفة ومضنية، قضت المحكمة ظلمًا وعدوانًا بمصادرة نصف القيمة.
وتابع: "فتعويضًا عمّا خسرته من الأرض قمت باستصلاحها من جديد، فأدخلت الآليّات الثقيلة والجرّافات واقتلعت من الحجارة والصخور ما عجز والدي عن اقتلاعه بالنّخل والشاقوف، فسوّيت الأرض ومهّدتها وجعلتها مسطحة، وزرعت في حدودها أشجار التين والرّمان واللوزيّات. اقتطعت قسمًا منها لزراعة القمح والشعير والفول والحمّص والعدس، وزرعت فيها الدوالي والصبر والزعتر والعكّوب، وما تبقّى من ثلاثين دونمًا شجّرته بأشجار الزيتون. جعلتها كما تَرَين فيحاء وواحة خضراء. وها هم اليوم جاءوا ليدمّروا ويخرّبوا ما أنجزته خلال سنوات. ومهما حاولوا فلن يفلحوا ولن ينالوا منها شبرًا واحدًا."
أثناء حديثه كانت تصخي السمع وتهزّ رأسها علامة من علامات التأييد والتضامن. بعد أن فرغ من حديثه كانت من مرارة واستياء وتذمّر ووعدته أن تسانده، فمهنتها المحاماة ولا حاجة له لمقاضاة المستوطنة، وستقدّم ما بوسعها والجمعية من الدعم الكبير له، وهي ستتوجّه الى القضاء لايقاف العمل على تنفيذ المشروع للصرف الصحّيّ.
أوفت شلوميت بوعدها وبرّت به، نجحت أن تستصدر قرارًا من المحكمة بايقاف العمل مؤقّتًا. انشرح صدره وغمرته الفرحة والسرور، فازدادت ثقته بها وترسّخت وتوطدت بينهما صداقة وراح يسبغ عليها الهدايا ويمدّها بالزيت والزعتر والزيتون ومن كل ما تخرجه المزرعة من ثمر. وكانت شولميت تستقبله في بيتها بحفاوة واحترام ولا تبخل أن تطبع على جبينه وعلى وجنتيه قبلة حارّة ولم تتورّع عند دخوله البيت ووجوده من ارتداء ملابس شفّافة وقصيرة، حاسرة الساقين والذراعين والصدر. واعتبر محمود ذلك شيئًا عاديًا من عادات هذا الشعب، غشيت عيناه ولم يلاحظ أنّها كانت تزداد تزلّفًا وتودّدًا وتمطره بأعذب الكلمات وأرقّ الجمل.
مرّت الأيّام والأشهر، ومحمود يثابر على زيارتها، حتى جاء اليوم الذي قضت فيه المحكمة لصالحه بالغاء العمل على المشروع والبحث عن حل آخر بعيد عن مزرعته، فكانت فرحته عارمة وغبطته عظيمة. وفي اليوم التالي من صدور قرار المحكمة هاتفته شولميت ودعته لزيارتها ليحتفلا سويّة بالنجاح. لم يضن بالذهاب، اعتلى مقعد جرّاره وهمّ صوب المستوطنة ودخلها. قرع الباب فأشرعته له. دخل وهو يحمل الكثير من الهدايا من علب الحلوى الشرقيّة، عذبة الطعم ولذيذة المذاق، فوجدها ترتدي غلالة شفّافة تظهر من خلالها مفاتنها ومحاسنها. جلس محمود على أريكة فاخرة وجلست هي قبالته ببهائها الساحر واناقتها المغرية.
تجاذبا أطراف الحديث وكان ذا شجون، تسامرا وتضاحكا فرحًا بالنجاح. تركته شولميت وراحت تتنقل أمامه جيئة وذهابًا. فأعدّت مائدة غنيّة عليها ما طاب من الطعام وما لذّ من الشراب. دعته للجلوس حول المائدة. جلست وهي مضمّخة بالعطر تعبق برائحة شذيّة نديّة. لم تتورّع شولميت أثناء تناولهما الطعام من سكب كأسي نبيذ فناولته احداهما ليشربا نخب النجاح. رفض محمود واعتبره منكرًا ومحرّمًا عليه، ولكنه عاد وخنع أمام تفنجرها الفاخر ونظراتها الفاجرة وغمزاتها اللاهبة، فرشفه، هزّ رأسه وأغمض عينيه، فقالت "لا بأس" ومدت يدها تناولت من المائدة قطعة ووضعتها في فمه وجعلت أناملها تلامس شفتيه. سكبت الكأس الثانية، نظر اليها محمود نظرة عتاب، فكانت نظراتها الجارفة أقوى من نظراته، فاحتساه. وبعد قليل، شعر بنشوة عارمة، فغشيه الضحك، تركته في نشوته يسرح بخياله، دخلت الغرفة وغابت لفترة وعادت وجاءته من الخلف، وألقت بجسمها العاري على ظهره، وهي تطلق العنان لنهديها يدغدغان ظهره ومدّت ذراعيها العاريتين تطوّقانه ووجهها يلامس وجهه وبين يديها أوراق كتبت بالعبريّة، طرحتها أمامه وقالت "هذا توكيل منك نقدّمه للمحكمة نطالب بتكاليف المحكمة." وطلبت منه أن يمهرها بتوقيعه وهي تحثّه بتدللها الفيّاض أن يسرع ويوقّع، فتنتظرهما مهمة تشرح الصدر، تكون خاتمة الاحتفال. لوى محمود رأسه ونظر اليها، أطرق التفكير قليلًا. صحا محمود من غشيته وسمع صوتًا بداخله يناديه، تناول الأوراق، أفلت من ذراعيها ونهض مسرعًا وتركها بعُريها تصرخ. ركب جرّاره وعاد الى بيته تتآكله الندامة. اختفت شولميت وغابت ولم تعد تظهر في المستوطنة.
(عرّابة)
