قبل ايام كنت قد حكمت على نفسي حكما جائرا حيث قررت الجلوس امام التلفاز لأستمع إلى كلمات المندوبة الامريكية والمندوبة البريطانية وكذلك المندوب الفرنسي في مجلس الامن الدولي، وهم يبثون سمومهم على الشعب السوري وروسيا خلال البحث الذي كان يجري هناك بناء على اقتراح روسي من اجل ادانة العدوان الغاشم على الجمهورية العربية السورية، الذي قامت به هذه الدول الاستعمارية الثلاث والتي هي عمليا سبب كل المشاكل والحروب التي تجري في مختلف مناطق العالم، وفي الوقت نفسه لكل هذه الدول تاريخ اسود في تعاملهم مع شعوب العالم الذين استعمروها على مدى قرون من الزمن وما زالوا يتعاملون مع هذه الشعوب باستعلاء وعدوانية ونهب لخيرات هذه الشعوب حتى يومنا هذا.
لقد رأيت هؤلاء المندوبين وهم يذرفون دموع التماسيح على الشعب السوري، هذا الشعب الذي يضطهده النظام السوري ويستعمل ضده السلاح الكيماوي كما يدعون بالرغم من ان سوريا كانت قد تخلصت وبشكل كامل من كل الاسلحة الكيماوية منذ سنوات، ومن المعروف للقاصي والداني انهم هم انفسهم الذين اشعلوا الحرب على سوريا وهم انفسهم ايضا من خلقوا داعش والحركات التكفيرية والحركات المسلحة التي تسمي حالها معارضة سورية. ان كل هذه الحركات المسلحة التي تعمل في سوريا بدعم وتمويل منهم ومن السعودية وأنظمة الخليج العميلة لأمريكا هم في الاساس الذين يمولون العدوان الاستعماري الغاشم على سوريا وكذلك على شعبنا العربي الفلسطيني والشعب الليبي واليمني الذي كان يسمى سعيدا، واليوم لم يبق سعيدا نتيجة للإجرام الثالوث الدنس، الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية.
الشعب اليمني يقاسي من العدوان الاجرامي عليه من قبل هذا الثالوث، ولكن هذا الشعب بالرغم من امكانياته المحدودة ما زال يقاوم هذا العدوان المستمر منذ اكثر من ثلاث سنوات متتالية لأن هذا الشعب مؤمن بعدالة قضيته الوطنية وبحقه في الحرية والاستقلال وحتما سوف ينتصر على مثل هؤلاء الطغاة.
كما ان هذه القوى لا يحق لها ان تتحدث عن حرية أي شعب من شعوب الارض لأنهم هم من يسلبون حرية الشعوب ولا يحق لهم ذرف دموع التماسيح على الشعب السوري او أي شعب آخر، لأن هذه الدول الثلاث وبشكل خاص امريكا وبريطانيا وفرنسا كانت وما زالت مستعمرة لاكثرية شعوب العالم في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية سياسيا واقتصاديا. ان هذه الدول الثلاث هي في الاساس سبب تخلف ودمار عدد كبير من شعوب العالم وبشكل خاص افغانستان والعراق وليبيا وسوريا وفلسطين وعدد من دول افريقيا وامريكا اللاتينية.
عقد مجلس الامن الدولي خلال فترة قصيرة عدة جلسات لبحث الوضع في سوريا وعن قضية استعمال السلاح الكيماوي المفتعل، وقاموا بعدوانهم الثلاثي الغاشم على سوريا بدون ان يحققوا ويتأكدوا من استعمال مثل هذا السلاح في دوما السورية. وها قد اتى صحفي بريطاني ليفند كذبهم ويؤكد ان مثل هذا السلاح لم يستعمل في سوريا بل هو افتعال من قبل عملاء بريطانيا نفسها. ومقابل هذا الحماس الزائد ضد سوريا لكنهم لم يحركوا ساكنا بالنسبة للعدوان المستمر منذ اكثر من ثلاث سنوات على الشعب اليمني، لأنهم هم واعوانهم في السعودية ودول الخليج هم من يقومون بهذا العدوان ضد هذا الشعب المسالم والبطل.
ان الشعب العربي الفلسطيني الذي شرد من وطنه والذي يرزح تحت الاحتلال منذ سبعين عاما، يقتل ويسجن يوميا، وحسب الاحصائيات الاخيرة التي تؤكد انه منذ نكبة شعبنا حتى هذه الايام جرى اعتقال وسجن اكثر من مليون انسان من ابناء شعبنا العربي الفلسطيني على يد حكام اسرائيل حليفة وجزء من الثالوث الدنس. ان هذه القوى ليس انها لم تساعد المظلوم والمحتلة اراضيه، بل تدعم وبشكل علني وواضح الظالم المحتل وفي الواقع هي السبب الاساسي في مأساة شعبنا العربي الفلسطيني منذ قرن من الزمن؛ بل اكثر من ذلك يقومون بفرض عقوبات على الشعب العربي الفلسطيني!
هذه القوى لم تكن في أي يوم من الايام صادقة في توجهاتها منها بل كانت وما زالت تكيل بمكيالين ودائما تقف مع الباطل وضد الحق. وفي الواقع كانت هناك عدة قرارات في مجلس الامن ومنظمة الامم المتحدة لصالح الشعب العربي الفلسطيني وهؤلاء هم في الاساس الذين يقفون وبقوة ضد تفعيل وتنفيذ هذه القرارات الاممية، ويساعدهم في ذلك الانظمة العربية الرجعية مثل السعودية ودول الخليج وحتى مصر، التي كانت في يوم من الايام قلب العروبة النابض وكانت تسمى ايضا ام الدنيا! ولكن وبعد رحيل القائد الخالد جمال عبد الناصر بدأت تتراجع منذ ايام السادات ومن بعده مبارك ومرسي ووصلت إلى ادنى مستوى لها في مرحلة السيسي، وهي اليوم بدل ان تقود العالم العربي تقوده السعودية، اكثر أنظمة العالم تخلفا! ومقابل حفنة من المال يتنازل هذا الحاكم المصري عن بعض من اجزاء ترابه الوطني لصالح السعودية فأي انحطاط اكثر من هذا الانحطاط السياسي والقومي والوطني وحتى الاخلاقي. ان هذه الدول المسماة عربية وبدعم كامل منها تعطي المجال لتلك الدول العدوانية في التمادي في عدوانيتها على شعوبنا العربية.
عقد قبل ايام الاجتماع التاسع والعشرين للجامعة المسماة عربية وسمت اجتماعها هذا الذي عقد في السعودية في مدينة الظهران "اجتماع القدس" الذي تآمروا فيه وما زالوا يتآمرون على القدس وشعبنا العربي الفلسطيني من خلال محاولاتهم فرض ما يسمى صفقة القرن على شعبنا وقيادته وبكل وقاحة، وكل هذا من اجل المضي في سياستهم التطبيعية مع حكام اسرائيل، في هذا الاجتماع والذي جاء بعد العدوان الثلاثي الاجرامي على سوريا وشعبها ليس انهم لم يدينوا العدوان بل في الحقيقة اكثريتهم المطلقة كانوا من المؤيدين لهذا العدوان الغاشم على سوريا. ومن المؤسف ان السلطة الوطنية الفلسطينية ما زالت تبني آمالا على هذه الانظمة المتخلفة وقراراتها - هذه الانظمة التي لا تستطيع ان تسير بأي خطوة الا بأمر من الولايات المتحدة الامريكية هذه الدولة وحكامها المتعاقبون كانوا وما زالوا من اكثر الدول عداء لشعوبنا العربية وبشكل خاص شعبنا العربي الفلسطيني.
وبالرغم من هذا الواقع المر والمأساوي الذي نعيشه، ورؤيتنا الواضحة لعداء هذه القوى لنا الا اننا نرى ان هناك قسما ليس قليلا من ابناء شعبنا الفلسطيني وهنا في الداخل ايضا وللاسف الشديد، يؤيد مثل هذه الضربات لسوريا من قبل هذه القوى العدوانية الغاشمة ولهؤلاء اذكرهم بمثلنا الشعبي الذي يقول: "ما بيجي إشي من الغرب يسر القلب".
(عرابة البطوف)
