في مجتمعنا العربي على امتداد اجيال طويلة هناك عادات وتقاليد دارجة ومستحبة عند الكثيرين من الناس، وقد تكون غير ذلك عند آخرين، ومنها ما تعودنا عليها واصبحت جزءا من حياتنا اليومية، وهي في نفس الوقت قابلة للنقاش والتعديل بالتفاهم والجدال البناء وبطرق الاقناع وبالاعتماد على نصوص دينية راجحة او حسب شريعة الاديان، شريطة ان تحظى باجماع من الهيئات الشعبية والرأي العام السائد في كل بلد وبلد .
انا مع التعديل والتغيير وايجاد بدائل تتطابق ومتطلبات العصر وظروف الزمان المواتية في عصرنا الحاضر، على ان لايمس التغيير والتبديل بمشاعر الناس واحاسيسهم التي ورثوها من الآباء والاجداد امتدت لمئات السنين من واقع حياتنا اليومية .
وهنا اود ان اشير الى بعض الامور الخاصة بقريتنا دير الاسد ولربما تتطابق مع عادات وتقاليد قرى اخرى . فعلى سبيل المثال اعتاد اهالي دير الاسد وبالاخص عائلة الاسدية في نهج مستقى من الماضي من حياة آبائنا واجدادنا ان يرافق الجنازة "عدة " : اربعة اعلام كتب عليها " لا اله الا الله محمد رسول الله " دف وصنوج في موسيقى ايقاعية تتماشى مع التهليل وذكر اسم الله بالقول " لا اله الا الله محمد رسول الله " وهذا اللحن الحزين يتمشى مع الجنازة باعثا في النفس الهدوء والخشوع والرجوع الى الله العلي القدير بمصير الانسان مهما طال عمره او قصراو كثرت امواله او قلت، فلا بد يوما على آلة حدباء محمول، وهناك عائلات ديراوية غير اسدية تستعمل احيانا هذه " العدة" .
وتجدر الاشارة هنا ان عائلة الاسدية تنحدر من سلالة جدنا الشيخ محمد الاسد الذي يعود الى الطريقة الجيلانية الصوفية في جذورها الى الشيخ العلامة عبد القادر الجيلاني، صاحب الطريقة الجيلانية المشهورة في انحاء العالم العربي والاسلامي من المغرب العربي حتى المشرق العربي من المغرب الى العراق، ودول عربية اخرى تعود بالسلالة والحسب لسيدنا الامام علي كرم الله وجهه .
وهناك عادة متبعة ايضا في معظم القرى العربية الاسلامية بقراءة المولد النبوي الشريف في المناسبات الطيبة، كالاعراس وفي رمضان ومناسبة حلول عيد المولد النبوي للتبرك بهذه المناسبة بدعوة الناس لحضور قراءة " المولد النبوي "، وذكر سيرته الحميدة وتقديم التهاني والتبريكات بهذه المناسبة الطيبة على امتداد ساعة من الزمان تقام فيها الافراح والولائم .
وهناك عادة اخرى تجري في وسطنا العربي ويكثر النقاش فيها والوعظ الديني باقامة ختمة للمتوفين بعد ثلاثة ايام من الرحيل الى العالم الآخر، بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم على روح الفقيد وانهاء فترة التعازي الرسمية، وهو امر شرعي وضروري لتعود الحياة الى طبيعتها ويرجع الناس الى اعمالهم وتدبير امورهم وما تتطلب الظروف الحياتية لذلك وما علينا الا ان نراعي هذه المقولة التي تقول : العزاء بعد ثلاث تجديد للمصاب والتهنئة بعد ثلاث استهانة بالواجب او ان شئت بالصداقة .
ما دعاني ايها الاخوة القراء لكتابة هذه المقالة المتواضعة ما يدور في دواوين الاجر والعزاء، من جدال ونقاش حول شرعية هذه العادات ومصداقيتها في حياتنا اليومية وتعدد الآراء وكثرة الواعظين والمفتين بصدقها او عدم صدقها، وانا شخصيا احبذ هذه العادات واتوسم بها الخير وهذا رأيي الشخصي والذي هو قابل للنقاش والجدال وابداء الرأي في هذه الامور حتى نرسو الى شاطئ الآمان والاستقرار في تسيير عاداتنا وتقاليدنا واحترام آراء الاخرين مع اختلاف وجهات النظر المتعددة في هذا الشأن .
وعليه اقول تعودنا على امتداد اجيال واجيال في اقامة هذه العادات والسير على نهجها فمن كان لديه رأي مغاير فليناقش بالتي هي احسن ويقدم الدليل والبرهان على رأيه في التغيير والتبديل مستندا في ذلك بحجة القرآن الكريم او الاحاديث النبوية او باجماع او اجتهادات مسندة الى احداث وعادات شبيهة بالواقع الذي نعيش فيه وثم تغييرها او تبديلها باحسن منها راجيا جمهورنا الكريم اتباع النقاش البناء دون تزمت او عصبية في النقاش وزرع بذور العداء والتعصب ضد الآخرين ممن يحملون هذه العادات او يقيمونها باقتناع وتروّ وعدم المس باحاسيس ومشاعر الغير اثناء النقاش واختلاف الآراء .
انني اهيب بالمتدينين جميعا واخص بالذكر الشباب المتحمس لدينه وابارك ذلك فيهم واحييهم راجيا ان يتحلوا بالصبر والهدوء والرزانة بالوعظ والنقاش الهادىء البناء في امور الدين، وعدم اتهام بعضنا البعض بالكفر والضلالة في تقويم الامور ومعالجتها بروح اخوية عالية وامعان دقيق في امور الشرع والفتاوى التي هي من اختصاص علماء الدين ورجال القضاء في الفتاوى في مثل هذه الاموراليومية من العادات المستأصلة بين الناس، والتي يصعب تغييرها بالجدال العقيم مع وجوب احترام رأي الآخرين وتقديرمشاعرهم ممن يؤمنون بمثل هذه العادات ويمارسونها في حياتهم اليومية . كما ارجو من كل مشايخ الدين الكرام مع احترامي وتقديري للجميع من الذين يعظون في المآتم ان يقللوا من الحديث بايجاز ويكثروا بالمعنى، لمراعاة ظروف اهل العزاء والناس من القادمين لتقديم العزاء والخارجين حتى لا يحرج احد في الدخول والخروج ومقاطعة المتحدث ومن ثم اعطاء الناس المجال لتقديم التعازي ومواساة اهل الميت كل بقدر احاسيسه ومشاعره ومشاركته الوجدانية .
واقبلوها مني صراحة لا منعا للحديث بل بالعكس احب الحديث في مناسبات المآتم والدينية منها على الاخص، ولكن يجب الاختصار منه لان الناقدين كثر في هذا المجال وانا اطلب عذر جميع المتحدثين في المآتم ليس فقط مشايخ الدين بل بشكل عام لا تكثروا الكلام اعطوا المجال لغيركم وكم من مرة حرمنا من تقديم التعازي ومواساة اصحاب المأتم فغادرنا دون كلمة .
ربما هناك عادات وتقاليد دينية واجتماعية يجب تعديلها او تغييرها، ولكن بالنقاش الهادف للمصلحة العامة وبالطرق القويمة السليمة في احلال الوسائل البناءة من اجل الوفاق الجماعي والاجماع عليها في تسيير الامور ومعالجتها على اكمل وجه والامر خاضع للنقاش والجدال .
وعليه يجب ان يكون الدين وسيلة في حياتنا في كيفية التعامل بين البشر قاطبة في العالم. ان الدين هو المعاملة الحسنة والاخلاق الطيبة والاحترام المتبادل بين الناس، وعلى رجال الدين في كل الاديان ان يكونوا القدوة الحسنة والمثل الاعلى في التصرفات الانسانية اليومية وان يكونوا رموز هذه الامة للتحابب والتعاضد والتسامح والعيش السليم .
علينا جميعا ان نتحلى بآداب المجالس وحرية الرأي والتعبير واحترام رأي الآخرين ووجهات النظر المختلفة على ان لا يفسد اختلاف الرأي في الود قضية، والله من وراء القصد .
(دير الاسد)
