ما حدث في قرية عرعرة، وخصوصًا في حي الظهرات بدْءًا من ظهيرة يوم الجمعة الماضي وحتى تصفية نشأت ملحم بعد الساعة الرابعة بقليل على يد الوحدات الخاصة "يمام"، يمكن ان يلخص المشهد تمامًا. ففي تلك الساعات من ذلك اليوم العاصف جدًّا والماطر بغزارة، تحولّت قرية عرعرة الى ثكنة عسكرية ومنطقة الظهرات إلى حالة منع تجول شامل، حيث اعتلى المئات من الجنود ورجال الامن والوحدات الخاصة أسطح المنازل، وأطبقوا على المنطقة بشكل كامل، بينما كانت قوات اخرى تتمركز عند مداخل القرى المجاورة. ويمكن وصف المشهد بأن هناك غزوة كبرى قام بها الجيش واذرع الأمن الأخرى، ولوحظ أيضا ان هناك حشدًا صحفيًا تم استدعاؤه وتجنيده ليأخذ دوره في ساعة الصفر المقررة لينقل الرواية الرسمية الاسرائيلية عما كان يحضر له، وهو أمر غير مسبوق وبهذا الشكل، مع ان طبيعة الحدث لا تستدعي كل هذه الاستعدادات العسكرية، أو الضخ الإعلامي الذي تم إعداده وتوظيفه فيما بعد.
وكانت قنوات التلفزة الإسرائيلية، وموجات الإذاعة المتعددة، وكذلك مواقع الصحف، جاهزة للانطلاق، وفي وقت واحد، في اللحظة التي تم فيها الإجهاز على نشأت ملحم في البناء المهجور للعائلة كما قيل، وتصفيته وإعدامه ميدانيا، دون اللجوء إلى أي وسيلة أخرى كإلقاء القبض عليه، أو الطلب منه ان يسلم نفسه. وبعد دقائق انطلقت الجوقة الإعلامية المجندة لتذيع أخبارًا ملفَّقة وعارية عن الصحة. فقد قيل بداية انه تم إلقاء القبض على ملحم. وقيل بعد ذلك انه قتل في تبادل لإطلاق النار مع القوات الخاصة التي حاصرت المنزل. وقيل من جملة ما قيل، وعلى سبيل التحريض على الجماهير العربية، ان نشأت ملحم كان مختبئًا في مسجد في أم الفحم. وقد زجوا باسمها ليس من قبيل الصدفة، وإنما على سبيل التحريض الدموي على هذه القلعة الشامخة. وغيّروا اللهجة بعد ذلك ليقولوا إنه كان مختبئًا في مسجد في عرعرة. وأخيرا قالوا إنه اختبأ في احد منازل العائلة المهجورة.
والسؤال الذي نطرحه على هذا الاعلام الإسرائيلي المجند وغير المهني، والذي افتقد ابسط مقومات الموضوعية: لماذا تمّ زج المساجد، سواء في أم الفحم أو عرعرة، في هذه الرواية التعيسة؟! إن هدفهم كان ولا يزال، بمناسبة أو غير مناسبة هو التحريض على العرب والإسلام والمسلمين، وإعطاء الانطباع بان إسرائيل تحارب ما تسميه "الإرهاب الإسلامي"، مع انه لم يكن للإسلام، أو المسلمين أو العرب، أي صلة، لا من قريب ولا من بعيد، بالعملية المنسوبة إلى نشأت ملحم في شارع ديزنغوف في تل أبيب.
كما ان هناك اسئلة لا بد من توجيهها وبشكل واضح: لماذا لم يتم القاء القبض على نشأت ملحم حيا حتى يحاكم، ومعرفة الأسباب الحقيقية التي دعته لتنفيذ عملية تل أبيب، ومعرفة شركائه، ان كان له شركاء في الموضوع؟! وهي معلومات مهمة لأية اجهزة امنية لمعرفتها ام ان في الأمر ملابسات غامضة، وأريدَ لها ان تظل كذلك وان يدفن سر نشأت ملحم معه في القبر؟!! لقد قال اكثر من معلق ومراسل اسرائيلي بوضوح إن الاوامر التي تلقاها افراد الامن هي قتل نشأت ملحم. وهناك شيء مثير آخر هو ان التلفزة الإسرائيلية والإذاعة الإسرائيلية أعطت هذا الموضوع تغطية استمرت لساعات، وفي بث حي مباشر، وكأن إسرائيل كانت في حرب عالمية!! إن "رأس كليب" هذا لم يكن بحاجة الى هذا الضخ الإعلامي المتواصل والمكثف، الا إذا كانت لديهم مآرب أخرى، وهذا ما يمكن استنتاجه. فالأمريكيون، حينما أعلنوا القضاء على بن لادن، لم يحظَ الحدث بتغطية اعلامية قريبة او شبيهة. كما ان الفرنسيين، حينما القوا القبض على كارلوس، لم ترافقهم ماكنة اعلامية كهذه التي رافقت عملية تصفية نشأت ملحم.
ولو افترضنا انهم أرادوا رفع معنويات الإسرائيليين، الذين بقوا لمدة أسبوع كامل داخل بيوتهم في تل أبيب وغيرها يعيشون حالة رعب، لان هناك "رجلًا مسلحًا لا يزال طليقًا" ويشكل خطرا على الجمهور، فالعملية التي حدثت في حي الظهرات في قرية عرعرة لم تكن عملية خارقة، أو إبداعًا عسكريًا أو فنيا يستدعي كل هذه المواكبة الإعلامية. لقد قامت اسرائيل خلال تاريخها بعمليات ناجحة سجلت لها خارج حدودها، وكانت أحيانا معقدة، لكنها لم تلق مثل هذه الضخ الإعلامي، كما حدث في عملية عادية صغيرة كالتي حدثت في عرعرة، الا إذا أرادوا صرف أنظار المجتمع الإسرائيلي، والرأي العام عموما، عن اسئلة كانت مطروحة منذ قام نشأت ملحم بعملية تل أبيب. فالرقابة الإسرائيلية أصدرت، ومنذ اللحظات الأولى، أمرًا بعدم نشر أية تفاصيل او معلومات حول تلك العملية. كما قيل ان هناك معرفة سابقة بين نشأت ملحم واحد ضحاياه في تل ابيب. ومن يدري فربما يكون هناك خلل ما قد حصل داخل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ويريدون ان يظل ذلك طي الكتمان وفي داخل تلك الاجهزة!
أسئلة كثيرة دارت حول ملابسات عملية نشأت ملحم، ولم تبددها عملية تصفيته، وإنما زادتها، وستظل كذلك الى ما شاء الله. وقد لاحظنا، ومنذ البداية، ارتباك رئيس الوزراء نتنياهو حين لم يجد ما يقوله لمواطنيه، عندما زار مكان العملية، سوى اتهام باهت وغير مسؤول لما اسماه "الإسلام المتطرف". وهو الذي ارتبط بعلاقات علنية وواضحة مع بعض هذا الاسلام المتطرف في سوريا حين زار جرحاهم في مستشفياته. فاذا قاتل هذا الاسلام المتطرف الدولة السورية فانه يحلل ذلك ويدعمه، أما للاستهلاك المحلي فانه يرفضه ويهاجمه، ويسعى لتلميع صورته بأنه يحارب الإرهاب. كما ان احد وزرائه، وبأسلوب منفلت وأثناء مناقشة فوضى السلاح في المجتمع العربي الفلسطيني، طالب بان "يدخل الجيش بمدرعاته إلى القرى والبلدات العربية، لتطهيرها من هذا السلاح". والكل يعلم ان مجتمعنا يعاني، ومنذ سنوات ليست بالقليلة، من فوضى هذا السلاح المرخص وغير المرخص، وان المئات من ابنائنا كانوا ضحايا هذا السلاح وفوضاه. وكان هذا على مرأى ومسمع من الأجهزة الأمنية، التي لم تقم بأي جهد في هذا المجال، وإنما على ما يبدو استمتعت بتلك الفوضى الهدامة، التي عانينا ولا زلنا نعاني منها. فلا احد يستطيع ان يزاود علينا او النيل منا بطريقة العربدة والهستيريا العنصرية، لان حقنا أقوى من حقدهم الاعمى. ولكي يكون الامر واضحا وجليا فان جماهيرنا العربية وعلى مستوى هيئاتها القطرية التمثيلية قالتها ومنذ البداية ان ما قام به نشأت ملحم هو خارج سياق نضالنا الشعبي - الجماهيري - الديمقراطي، الذي ميّز مسيرتنا على مدى سبعة عقود. فالجماهير العربية، ومن خلال خصوصيتها النضالية، اعتمدت النضال الشعبي الجماهيري وسيلة فعالة. هكذا فعلت في يوم الأرض، وفي كل الأيام التي تلت ذلك اليوم الخالد، وهكذا فعلت في انتزاع بعض من حقوقها من براثن التمييز العنصري. وسيظل هذا نهجها وهي تقاوم السياسة الرسمية التي حرمتها من المساواة وميزانيات التطوير. ونحن لسنا بحاجة إلى من يُؤَستذ علينا، أو يجرنا إلى متاهات، لان مدرستنا النضالية يمكن ان تكون جامعة خلاقة تجذب إليها قوافل المناضلين الحقيقيين. ولمناعة موقفنا، وقوة دورنا وتأثيرنا، فإننا نراهم يتكالبون علينا لحرف مسيرتنا، وتزييف نضالنا ولكن هيهات...!