عِبَر اليوم من الأمس

single

*في الذكرى السادسة والخمسين لقيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا من عام (1958-1961)*


في ذكرى أول وحدة عربية في التاريخ الحديث بين مصر وسوريا حيث شكّلت صفحة مشرقة من التاريخ العربي، فقد التقت القوى القومية في سوريا مع ثورة 23 يوليو 1952 في مصر بقيادة خالد الذكر جمال عبد الناصر لتصبح وحدة بين قطرين شقيقين كنواة للوحدة العربية الشاملة التي كان يحلم بتحقيقها الزعيم الخالد. وفي 22 شباط تم توقيع ميثاق هذه الوحدة بين الزعيمين الكبيرين جمال عبد الناصر وشكري القوتلي.
في هذه الوحدة تم تنازل الرئيس السوري شكري القوتلي عن رئاسة جمهورية سوريا لصالح رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر، والذي كرم الرئيس السوري شكري القوتلي بمنحه وسام المواطن الأول في الجمهورية العربية المتحدة، وكانت القاهرة عاصمة الوحدة بين القطرين الشقيقين.
وكان النظامان المصري والسوري قد التقيا في مواجهة حلف بغداد عام 1955 وتمت العلاقة بين النظامين خلال السنوات التي سبقت الوحدة، وعقدا اتفاقيات عسكرية واقتصادية وثقافية أسهمت في التوافق المشترك بين الشعبين بحيث كان قيام الوحدة بين البلدين تتويجا لذلك.
لقد كانت فكرة الوحدة هاجس الجماهير والقوى القومية في سوريا لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية ومحاولة الولايات المتحدة تطويقها من الخارج والدسائس في الداخل، وفي هذه الذكرى نستذكر الحملات والمؤامرات المسعورة التي شنتها أميركا وبريطانيا وأعوانهما من الرجعية العربية ضد هذه الوحدة بين مصر وسوريا، والتي رأت في هذه الوحدة تهديدا لمصالحهما في منطقة الشرق الأوسط والتي تفتح الباب أمام الوحدة العربية الشاملة.
وما زاد من حماس سوريا بالحاجة إلى الوحدة مع مصر آنذاك الموقف المصري الشجاع في الوقوف في خندق الدفاع عن سوريا في مواجهة التحضير لشن عدوان عليها من قبل مجموعة دول حلف بغداد الاستعماري ودول عربية محيطة بها تنفيذا لمخططات الولايات المتحدة وهذا ما نراه اليوم في المؤامرة الكبرى على سوريا من القوى الاستعمارية والرجعية العربية وتركيا نفسها.
وها هو التاريخ يعيد نفسه بالتآمر على سوريا منذ ثلاث سنوات، والتي حملت دائما راية القومية العربية، سوريا التي كانت دائما تنادي بالقومية العربية سوريا التي كانت دائما تتفاعل بأمانة ومسؤولية مع العرب في كل مكان وخاصة مع القضية الفلسطينية التي تتحمل هذه الأيام عبء أوزارها. وبدأت المؤامرة منذ سنة أيضا على مصر الجناح الآخر من الجمهورية العربية المتحدة السابقة لان مصر قلب العروبة النابض والركيزة الأساسية للعالم العربي في الشرق الأوسط، وهي كفة الميزان الوطني مع سوريا في سبيل تحرر الوطن العربي من التبعية للاستعمار والقوى الرجعية العربية.
في ذات الوقت تأججت الثورة في الجزائر وفي اليمن وفي بغداد وفي ليبيا متأثرة بثورة 23 يوليو في مصر وبدأت أحلام الوحدة العربية المتحدة بين سوريا ومصر تداعب الخيال الشعبي العربي، وبدأت الأنظمة الرجعية تسقط في لبنان (الشمعوني) ونظام الحكم الملكي في العراق ( نوري السعيد) ومظاهرات عارمة في في عمان وفي بيروت في تحقيق حلم الوحدة التي فجرها عبد الناصر والقوى القومية في سوريا، فكانت هناك هتافات في سوريا "بدنا الوحدة باكر باكر مع هالاسمر عبد الناصر".
بقيت المؤامرات الاستعمارية تلاحق الوحدة بين مصر وسوريا إلى إن تم انقلاب عسكري في 28/9/1961 بقيادة عبد الكريم النحلاوي أعقبه انفصال الجمهورية العربية المتحدة وبقيت مصر تحمل هذا الاسم حتى مجيء أنور السادات عام 1971 وتغير اسم سوريا إلى الاسم الذي تحمله اليوم الجمهورية العربية السورية وكذلك مصر التي اصبحت تعرف باسم جمهورية مصر العربية.
تأتي هذه الذكرى والعالم العربي جريح وينزف دما حرًّا وتزهق الارواح ويقتل الانسان العربي وتدمر الأرض والمكان من ليبيا وتونس إلى سوريا ولبنان والعراق ومصر في محاولات استعمارية صهيونية عربية رجعية ودول إسلامية لتقسيم العالم العربي إلى دويلات وطوائف وكانتونات استعمارية تقض مضاجع الأمة العربية والإسلامية.
نرى أميركا اليوم ودولا من العالم الغربي ومن الاتحاد الأوروبي تكيل بمكيالين متناقضين تحارب القاعدة في باكستان وتدعمها في سوريا مع قوى دخيلة على سوريا ومجموعات تكفيرية، بادعاء التغيير والديمقراطية التي جاءت بالدمار والخراب وسفك الدماء والقتل والذبح للأطفال والشيوخ العجز والنساء والرجال، ويحللون الحرام ويهتفون ظلما باسم الله ويخترعون جهاد النكاح وما نهى عنه الإسلام الحنيف وكل الشرائع الدينية والأخلاقية الإنسانية المتبعة في العالم الحر الشريف.
 إن هذه القوى الدخيلة على العالم العربي تهدف الى تفتيت المنطقة الى كيانات طائفية وعرقية وقطرية تستهدف شيئا واحدا وهو الحيلولة دون قيام وحدة عربية من أي نوع وان الحوار الحر هو وحده الكفيل بالتوصل للصيغة التي تتناسب مع واقع العالم العربي واوضاعه وقدراته.
هل من صحوة في العالم العربي والإسلامي لإيقاف حمام الدم في سوريا ومصر والعراق ولبنان، هل من يقظة للزعماء والرؤساء العرب والجامعة العربية وكل المؤسسات الدينية والسياسية على أنواعها لوقف الاقتتال العربي - العربي الإسلامي - الإسلامي وليكن طريق التغيير والنهج الديمقراطي بالحوار والتفاهم والتظاهر السلمي والجلوس إلى طاولة التداول والنقاش البناء الذي يعود على الجميع بالسلم والسلام والطمأنينة.
 إن العالم العربي بحاجة ماسة اليوم الى زعيم قوي جريء جبار أمثال عبد الناصر ليطفئ لهيب النار المتأججة في ربوع الوطن العربي ونزع فتيل القتال والتحريض والتدخل الأجنبي على الأمة العربية جمعاء، ومن يذكي نار الفتنة اليوم على غيره من الدول العربية وغيرها من الدول الداعمة للارهاب، لا بد وان هذه الفتنة ستعود إليهم من نفس القوى الظالمة التي يدعمونها وسيلاقون ما تلاقيه سوريا اليوم.
 كفى للاقتتال كفى لسفك الدماء كفى للتخريب والدمار كفى للتهجير واللجوء، إن عدد المهجرين من سوريا يتجاوز الأربعة ملايين نسمة وأكثر من مئة وعشرين ألف قتيل مع تدمير البنية التحتية لسوريا التي تحتاج إلى عشرات السنين لإعادة إعمارها من جديد لأي فريق يتسلم الحكم في سوريا.




(دير الأسد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الغربلة المطلوبة

featured

عبثيّة وقف التفاوض المتوقف..

featured

وما الطائر إلا بجناحيه يطير

featured

نصنع التاريخ وندغدغ الزمان والأحلام!

featured

المرحوم نمر مرقس المعلم والزميل

featured

الحقيقة وراء "عملية عمود السحاب"

featured

خرجنا مع قومية وعدنا بدونها