*خطبة نتنياهو خطيرة لا على الفلسطينيين فقط الذين أبلغهم بينيت بلغته الهابطة العنيفة التي لا تأخذ في حسابها السياسة والصبر وحقوق الانسان "لئلا يتبلبلوا". إن خطبة نتنياهو كانت خطيرة على اسرائيل في الاساس*
يجب أن نصل بين النقاط كما في لعبة الاولاد المعروفة، بحيث تظهر لنا الصورة الكاملة في آخر الامر وهي أن بنيامين نتنياهو يُهيِّج حربا. لا بمعنى كونه عدوانيا فقط أو غير مهادن أو متشدد بل بمعانٍ أوضح وأوسع، فقد تصرف بنيامين نتنياهو منذ كانت الانتخابات كأنه يُعد لحرب.
ولأنه يؤمن بالحرب أصبح يحشد سلاحا مستعينا ايضا بنفقة "الوسائل الخاصة"، المقطوعة عن تقليصات الكنيست والخزانة العامة، وهو يدخل ويخرج من محادثات حول "مخطط كيري"، دون أية نية لأن تنتهي الى اتفاق، فقد أعلن عن ذلك في واقع الامر حينما طلب الى أبو مازن بأن يعترف بالدولة اليهودية. ويؤمن نتنياهو بأن الفلسطينيين متعطشون للدم – وقد كاد يقول ذلك بصراحة في خطبته المهينة في ساعة مشاهدة في الذروة حينما علم الجمهور باختطاف الفتيان الثلاثة طلاب المعهد الديني.
استكان الفلسطينيون في واقع الامر، فقد قبلوا الاحتلال وفقدان الحرية والبناء في اراضيهم، واستعمال مواردهم والحد من حركتهم ومصالحة على الاراضي. وقد هزمتهم القوة العسكرية والاقتصادية الاسرائيلية. وكان الاتجاه الى الارهاب عملا خاطئا لأن الاحتجاج العنيف عمل خاطئ. إن التفاوض والعمل الدبلوماسي فقط سيُخلصان الشعب الفلسطيني. لكنه يوجد من وقت لآخر انفجارات قتل وعنف قاسٍ. وفي انفجار كهذا خُطف ثلاثة طلاب معهد ديني سافروا في سيارات عارضة. ويتوقع نتنياهو ألا يصاب أي مستوطن في المناطق أبدا بأية عملية فلسطينية. وللتوصل الى هذا الوضع عليه أن يجري تفاوضا. والاتفاق مع السلطة الفلسطينية – لا سياسة فرّق تسد – هو المفتاح.
لكن في ساعة مشاهدة الذروة في يوم السبت استغل نتنياهو أقسى ساعات أبناء عائلات المخطوفين ليُظهر نفسه بمظهر زعيم الحرب، مظهر ذلك الشخص الذي يجمع السلاح ويتجاهل قواعد الدبلوماسية وليست عنده رؤيا سوى السيطرة على اراضي السلطة الفلسطينية صدورا عن فرض عمل لا لبس فيه هو أن كل فلسطيني مشتبه فيه وعنيف. وهذه هي رؤياه. وحينما يكون الواقع فظيعا بقدر يكفي للبرهنة على ادعاءاته العامة في ظاهر الامر يقف أمام عدسات التصوير كي يقول "قلت لكم"، وكي يُسوغ متأخرا تنبؤه بأنه لا داعي للتوصل الى خطة اتفاق دائم.
المستوطنات عائق أمام السلام. وأصبحت المستوطنات قذى في عيون كثيرين. والمستوطنات فِعل سلب. والمستوطنات، وليسمع هذا السيد نفتالي بينيت، هي معسكرات في رداء مدني. وستستمر معاناة الفلسطينيين دون موافقة فلسطينية على قبولها وترتيب مكانتها – أو اخلائها. وستستمر مقاومتهم للاحتلال ايضا وينبغي أن نأمل أن يكون ذلك بصورة دبلوماسية غير عنيفة كما حدث في فعل الاختطاف هذا الذي ليس له أي تأييد من أبو مازن، لكن المعاناة تستتبع المقاومة أبدا.
ولهذا فان خطبة نتنياهو خطيرة لا على الفلسطينيين فقط الذين أبلغهم بينيت بلغته الهابطة العنيفة التي لا تأخذ في حسابها السياسة والصبر وحقوق الانسان "لئلا يتبلبلوا". إن خطبة نتنياهو كانت خطيرة على اسرائيل في الاساس.
ليست القذائف الصاروخية الآن هي التي تسوغ القصف من الجو بل أرواح ثلاثة فتيان مستوطنين. وليس سكان غزة المسجونون منذ 2010 وحكومة حماس التي تمثلهم هم الذين ينتظرهم عقاب جماعي بل الفلسطينيون جميعا الذين يؤمن نتنياهو أصلا بأنهم يستحقون ذلك بالفطرة ولمقاومتهم مستوطناته. وهذه هي الكلمات التي كان يجب أن يقولها في بداية خطبته: "تحدثت الآن الى محمود عباس"، لكنها ليست الكلمات التي اختار أن يقولها (وأصبح الامر متأخرا الآن).
(هآرتس)
