القمة العربية اللاتينية: «جنوبان» يصنعان نطاقاً اقتصادياً جديداً؟

single
تنبأ المدير العام لصندوق النقد الدولي بإمكانية حدوث حروب طاقيّة، وعزا قيامها الى ظلامية القوى الرأسمالية. وفي دول الجنوب أمل بجعل الطاقة قاعدة لبناء نظام اقتصادي عالمي عادل. إذا أثمرت جهود قاعدة دول الجنوب.
لا يختلف اثنان اليوم حول تحقق حدوث الانحسار الاقتصادي العالمي الرهيب (Horrible Depression) تحت شمس كوكب الأرض، ليعود وعي هذا الضر المقيت، الجاثم على صدر البشرية، بذاكرة الناس لماضي أهوال الانحسار الكبير (Great Depression) الذي جاء بنذر الحرب العالمية الثانية عام 1933. كما لا نجد إنساناً حقيقياً واحداً لم يدرك بعد حتى الآن انطلاقة «فأس» الانحسار الاقتصادي القائم ما بين 1ـ 2% (كما أكده الدكتور روبرت زوليك، رئيس البنك الدولي مؤخرا)، ذلك الكيد الغاشم الذي قذفته الأيادي الرأسمالية الفاسدة، والملطخة بدماء شعوب الجنوب المستضعفة، ليصيب بشكل ما رأس أمم الجنوب جميعا، وبخاصة تلك التي حباها الله بمصادر طاقية وفيرة (كالبترول، والغاز الطبيعي، واليورانيوم مثلا). فهل ستدخل هذه الفأس في الرأس المطلوب أم ستعمل رياح الصراع الشمالية الأنانية بداية، على تحويله، لفأس مرتد (Boomerang) يمكن ان يصيب رأس الذين سببوا مثل هذا الانحسار الرهيب، وعليه يمكن ان يتم تجنب حدوث الحروب الطاقيّة التي تنبأ بها المدير العام لصندوق النقد الدولي الدكتور دومينيك شتراوس ـ كان (أثناء مؤتمر منظمة العمل الدولية ILO في سويسرا مؤخرا)، وعزا قيامها لظلامية القوى الرأسمالية التي تكمن اليوم وراء معاناة شعوب بقاء/نماء البشرية جمعاء. وفي المقابل، لم يعد خافيا بعد ذلك الابتهاج الظاهر لدى معظم مفكري الجنوب والمنبثق عن إدراكهم الفعلي لتكشف ردة فعل نظرائهم في عالم الشمال (وبخاصة صناع القرار التنموي الأخيار الذين يأتي في مقدمهم الرئيس الاميركي الجديد باراك أوباما) حول المشاهد البشعة لتكسر البنى الرأسمالية عبر العالم، وبذلك «يقارب» محورا الفكر الانساني الأصيل بعضهما البعض، ربما ليجابها معاً، وبأشكال عملية مختلفة، شبح الحرب العالمية المنظورة (التي أكد على قيامها مدير صندوق النقد الدولي مؤخراً)، فلعلهما يجنبان البشرية جمعاء حرباً عالمية أخرى.
ورغم تنامي عزم القوى الفاعلة في صنع هذا «التقارب»، تمضي الأنانية الرأسمالية الشمالية في تعظيم شقة «التباعد» بين أمم الأرض، حتى لتجعله سيفاً مسلطاً على عنق امم الشمال بذاتها قبل غيرها. شاهد الأمر ما يتكشف عنه وباء الانحسار الرهيب هذا من جهة، وما يبرزه الصراع القائم على جانبي الأطلسي. ومن العدل بمكان الإشارة هنا لظهور نبوءة حكماء التنمية البشرية المعاصرين، والطاقيين منهم بخاصة، والقائلة بحتمية إشراق زمن ازدهار جديد، مضاد للانحسار القائم، ازدهار قادر فعلا على جعلنا نبصر بعين الأمل عطاء «القمة العربية ـ الأميركية الجنوبية، فنتوقع مع هؤلاء القادة المخلصين لشعوبهم بدء جهد اقليمي/عالمي واقعي ما يرمي إلى «استنهاض» قومة خلاص جنوبية مشهودة، ليس بغرض إرساء أصول راسخة جديدة «لاعتماد سياسي دولي متبادل» بين الأمة العربية وأمم أميركا اللاتينية فحسب، وإنما «لتحريض» المزيد من الخطى البراغماتية باتجاه «ابتكار نظام اقتصادي جديد» يحقق الازدهار بداية لكل المستضعفين في الأرض، والذي يمكن وفقه، إرساء اصول عالمية جديدة للعدل والإنصاف بين الناس جميعا من أدنى الأرض الى أعلاها. وفي الوقت الذي استندت نبوءة هؤلاء الحكماء لإخلاص، معظم المساهمين في هذه القمة، بالتمسك «بعقيدة أوبيك/أوابيك» العتيدة، باعتبارها السيف القاطع المشهر حتى اليوم بوجه أعداء «الاعتماد المتبادل المنصف بين الناس»، يتعاظم مع مرور الأيام حس هؤلاء القادة والمفكرين بتطبيق معظم ما جاء في «إعلان برازيليا» الصادر في شهر أيار من عام 2005. ففي الاجتماع المميز لوزراء خارجية الدول العربية ودول أميركا اللاتينية مثلاً، الذي انعقد في العاصمة الارجنتينية (بيونس أيرس) ما بين 20 ـ 21 شباط من عام 2008 الماضي، تم التأكيد على ان ثمة حقائق مثيرة للاهتمام حول إمكان تبني قرارات عملية تعزز بشكل رئيس من:
«تعاضد» أمم «منظمة الأقطار المصدرة للبترول ـ أوبيك» مع أعضاء «منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول ـ أوابيك» في السراء والضراء، بما يخدم تطبيق كل الجهود الرسمية والشعبية الهادفة لصنع حسن الحوار والاعتماد المتبادل ما بين قطبي المنتجين للبترول والمستهلكين له، فيشدون بذلك على الأيادي الإنسانية المخلصة الرامية لتعزيز السلام والأمن الدوليين.
و«تكاتف» شعوب الأمتين العربية واللاتينية الأميركية لتحويل كل من الإقليمين العربي والأميركي ـ اللاتيني موئلين حقيقيين «للاعتماد المتبادل الصحيح» بين أمم الجنوب المستضعفة، وبما يخدم «الاندماج الحضاري» من حول «التنمية المستدامة» لمختلف آفاق ومشاريع التمدن وتطوير «نوعية الحياة»، وبناء الذات الوطنية على أسس عصرية تقنية متقدمة.
«تلاحم» الجهود المخلصة لنزع فتيل الصراعات الإقليمية والدولية التي أشعلها أشرار الامبريالية الجديدة ما بين افغانستان وغزة ولبنان، والتقدم باتجاه جلاء فضاء مشترك بين الإقليمين يقوم على التكافؤ والعدل والإنصاف واحترام المبادئ والقواعد التي تحكم التعايش بين الأمم، وذلك في الوقت الذي يعيد به هذا التلاحم مختلف الحقوق المستلبة لأصحابها، ويرسي أسس السلام العادل والشامل في الإقليمين العربي والأميركي ـ اللاتيني بشكل خاص.
وعلى هذه الأصول الرئيسة، يمكن لشعوب وقادة الإقليمين العربي والأميركي ـ اللاتيني البدء بتولي مكانهم المناسب والفعال في قيادة الجهود الاقليمية/الدولية الرئيسة الراغبة حقا في اصلاح مركب «الشأن التنموي الدولي» المنهار اليوم، وبما يخدم مختلف الجهود الرسمية العامة والشعبية المستقلة المخلصة فعلا في رسم وتكوين وبناء «نظام اقتصادي عالمي جديد».
ولا بد في الختام من الإقرار بأن الشأن الطاقي، وجانب البحث والتطوير فيه بخاصة، يتطلب المزيد من الوضوح وجلاء «الهمة» العربية ـ الاميركية ـ اللاتينية المشتركة باتجاه حفظ حق أبناء الإقليمين العربي والأميركي اللاتيني في إرساء أصول ذاتية مميزة يمكن من خلالها بناء واستغلال مشاريعهم الوطنية الطاقيّة الجديدة والمتجددة بشقيها العام والخاص على حد سواء. وباعتبار ان مشاريع الطاقة الكهرونووية تأتي في مقدم المصادر الطاقيّة الجديدة والمتجددة البديلة للمصادر البترولية، وتثير جدلاً شمالياً ـ جنوبياً حاداً حول الارتيابات الأمنية الكبيرة التي قد ينطوي عليها قيام مثل هذه المشاريع في عالم الجنوب مثلا، فلا بد من إيلاء هذا الشأن الوطني ـ الجنوبي الاستراتيجي اهتماما مناسبا يساعد بشكل واقعي حكيم على شحذ: «عزيمة» أمم الشمال، والأعضاء الفاعلين منهم تحديدا في مختلف القرارات السياسية ـ التنموية «لمعهد اليورانيوم: Institute the uranium» (المعروف عامة باسم النادي الكهرونووي، والذي يعتبر مناظرا من الناحية الفعلية لمنظمتي أوبيك وأوابيك، حيث سبق لنا تسميته وفاقاً بمنظمة يوبيك: UPEC) (أنظر التفاصيل مثلا في: تقريرنا بعنوان: «الندوة السنوية العاشرة لمعهد اليورانيوم، لندن، 3 ـ5 ايلول/ سبتمبر 1985»، مجلة العربي، العدد 85، آذار 1986، 164 ـ175)، كي تضع ثقلها المؤثر في «اخلاء» فلسطين المحتلة بداية من أسلحة الدمار النووي الشامل، باعتبار ان الصهاينة فيها يمتلكون ما لا يقل عن 264 رأسا نوويا ونترونياً جدلا (أنظر التفاصيل المؤكدة للأمر مثلا في بحثنا المنشور بعنوان: «إشكالية وجود السلاح النووي في البيئة العربية»، في مجلة المستقبل العربي، العدد 266، نيسان/ابريل 2001، 55 ـ 81) من جهة، وإدراك «وطنية القرار الكهرونووي في كل من الوطن العربي وإيران» وحق الشعوب عامة في امتلاك مصادر طاقيّة جديدة ومتجددة وفق المعايير التقنية الدولية السائدة من جهة أخرى. كما يمكن للقمة هذه دعوة أعضاء يوبيك عموما للانخراط في المشاريع الكهرونووية المنظورة على شاطئ الخليج العربي، وبذلك يتم تبديد المخاوف الشمالية إن وجدت، وحسم أي شك في احتمال تفشي السلاح النووي بأي شكل من الأشكال.
([) وزير النفط والثروة المعدنية الأسبق (سوريا) ، الأمين العام المساعد السابق (أوابيك)، رئيس الجمعية الفيزيائية العربية


قد يهمّكم أيضا..
featured

الاغتراب آفة – ولكن؟!

featured

قرية درزية أم استخفاف بعقول الناس؟!

featured

خطر الحرب العدوانية قائم

featured

حذار من سياسة دق الاسافين!