أخبرني رفيقي ومرافقي بأنّه لم ينجح طيلة سنوات بتأسيس فرع للجبهة في هذه البلدة التي وصلنا إليها عصر ذلك النّهار من تموز 1984 وأنّ صديقا له من البلدة نفسها تطوّع ونظّم هذا الاجتماع الانتخابيّ. وأضاف: النّاس هنا طيّبون وبسطاء، وهذه القرية هي الشّاهد الوحيد الباقي من الزّنّار الفضيّ الذي رصّعت نجومه سفوح الكرمل الغربيّ، وهناك عدد من سكّانها ما زالوا يحفظون مفاتيح العودة إلى بيوتهم في صناديق حليّ نسائهم. وفيما انشغل رفيقي والشّاب المضيف بتركيب مكبّر الصّوت على صندوق شاحنة تقوم مقام منصّة الخطابة، تبادلت الحديث مع شبّان لبّى بعضهم الدّعوة إلى الاجتماع أو مع فضوليّين جاءوا ليعرفوا خبر الغريب. وعلمت منهم أنّ شمعون بيرس، الوزير السّابق، رئيس حزب العمل وزعيم المعارضة تجوّل في شوارع القرية في ظهيرة ذلك النّهار داعيا النّاس للتصويت لحزبه وصافح الكثيرين ونثر الوعود السّرابيّة. وأشار أحد الشّبان إلى شاب حنطيّ اللون، طويل، قوي الجسم وقال: هذا المحترم حمل خواجه بيرس على كتفيه وطاف في هذه السّاحة!! وأضاف بأسى: أمّه تحتفظ بمفتاح العودة إلى بيتهم في الطّنطورة!
في تلك السّنوات، بعد يوم الأرض وتأسيس الجبهة الديمقراطيّة تراجعت القوّة الانتخابيّة للأحزاب الصّهيونيّة بين العرب في البلاد من حوالي 80% إلى أقل من 50% ولكنّ سكّان بعض القرى النّائية، استمروا بمنح أصواتهم لها مقابل مصالح ضيّقة ووعود كاذبة عوجاء مثل ذيل الكلب.
دعاني رفيقي بمكبّر الصّوت إلى الصّعود إلى المنصّة (ظهر الشّاحنة) لإلقاء خطابي وكرّر الدّعوة مرّات عديدة مؤكّدا على أسمي كأنّه يريد أن يقول للمستمعين: هذا واحد منكم!!!
أدركت أنّ عليّ ارتجال خطاب يتلاءم مع ما سمعته وأن أدع خطابي المكتوب في جيبي، فتحدّثتُ عن البطالة والتمييز ومصادرة الأراضي والاستيطان وعن العدوان الإسرائيليّ على لبنان وعلى منظّمة التّحرير الفلسطينيّة وصمود المقاومة الأسطوريّ في بيروت وعن نضال شعبنا الفلسطينيّ لإنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلّة، وعن ممارسات حزب العمل وحزب الليكود العنصريّة، وفجأة اندفع الشّاب الطّويل الحنطيّ من بين النّاس ولوّح بيده نحوي وهتف: أيّها المحتلّون، اخرجوا من أفغانستان! ومن المفارقة أنّ الإعلام الإسرائيليّ في تلك الأيّام كان يشنّ حملة مسعورة ضد "الاحتلال الرّوسيّ لأفغانستان" بعد أن دخل الجيش السوفيّيتيّ أفغانستان دعما للنّظام الشّيوعيّ. تجاهلته ولم أعرْه اهتماما وواصلت هجومي على سياسة إسرائيل الدّاخليّة والخارجيّة إلا أنّه عاد وهتف: أيّها الشّيوعيّون الكفّار أخرجوا من أفغانستان!!
وأثار هتافه اهتمام الحاضرين في السّاحة والمقاهي وصار بعضهم ينظر إليه ويبتسم معجبا أو ساخرا.
صمتُّ لحظة بعد هتافه ثمّ قلت: أيّها الإخوة، أنا ضد احتلال أفغانستان. وأطالب السّوفيّيت أن ينسحبوا منها..ولكنّي أدعوك أيّها الشّاب للصعود إلى المنصّة، هنا بجانبي، لنهتف معا: أيّها المحتلّون انسحبوا من الأراضي الفلسطينيّة.. أيّها المحتلّون انسحبوا من القدس الشّريف. أيّها المحتلّون انسحبوا من المسجد الأقصى!!
وصفّق الحاضرون، وأمّا الشّاب فكأنّه فصّ ملح وذاب!!
وفيما أنا أسير إلى السّيّارة لأعود مع رفيقي إلى حيفا وإذا برجل خمسينيّ، يجلس على كرسي صغير على الرّصيف ويشرب الشّاي، يخاطبني: يا أستاذ، لا تهتم بما قاله جحش الوزير، لو استحى القاق (الغراب) ما غنّى!!
