في عهد الاجداد والآباء من القرن الماضي قامت ثورتان في ارض الكنانة: ثورة سعد زغلول الذي انعش فيها حياة كريمة للعمال والفلاحين واهل البلاد عامة، ووحّد ابناء الوطن من مسلمين واقباط في وشائج محبة وثيقة وبهذا حقق ما عجز عنه المهاتما غاندي الذي اخفق في توحيد المسلمين والبوذيين، وثورة الضباط الاحرار عام 1952 التي كانت النفير الذي ايقظ النائمين من شباب مصر ليعزلوا احفاد الخديوي.
لقد نُفي سعد زغلول مرتين لتحدّيه الانجليز رعايا اعتى امبراطوريات العالم في ذلك الحين.. قاد شعبه في جبهة متماسكة ضد خنوع الخديوي وسلالته الملكية وفي الوقت نفسه ارسل ابناء العمال والفلاحين في بعثات علمية للخارج ليساهموا في الحكم ويناهضوا الاحتلال وابواقه.
لقد توسمنا كل خير في حديث الضباط من ثوار جدد اجهزوا على الملكية واستبدلوها بجمهورية قائمة منذ محمد نجيب وعبد الناصر وحتى حسني مبارك.. بين جمال وحسني تنوعت الوان الحياة فمنها ما كان ابيض الى حد ما، ومنها ما تلوث بالسواد. لاسفنا انحرف الثوار فتحطمت على ايديهم اشتراكية الثورة فأقاموا مجتمعا تخنقه رأسمالية بشعة لم تُعرف في تاريخ الثورات، وهكذا بدأ جيلنا يبكي مترحما على مصر الثورة وبعد ذلك على عهد اطل فيه علينا صدام حسين الذي كان يتشبه بنبوخذ نصر فكانت هديته لضيوفه ميدالية محفورة على وجهها الاول صورة نبوخذ نصر وعلى وجهها الثاني صورته، صورة ابي عُدي.
والفرق الغريب الرهيب ان نبوخذ نصر دخل اورشليم وسبى اليهود، اما صدام فكان بطيشه وعدم حكمته السبب والمبرر والاداة لسبي العراق الذي يتناهش ويتذابح ابناؤه حتى يومنا هذا.
لا انسى كلاما لجمال عبد الناصر بعد هزيمة 1967: "لقد تركنا الثورة وانشغلنا بالسلطة". ما اجمل الاعتراف بالخطأ.
تفقد السلطة شرعيتها عندما تصبح تسلطا. عندما يترك الثائر ثورته ليتمرغ في احضن السلطة ومفاتنها. ينسى مبادئ الثوار ولا يجد متسعا زمنيا ليتذكر مشاعر وطموحات شعبه! فالحاكم العربي الذي كان ثائرا يوما من الايام، نراه يتنازل عن شعبه كي لا يتنازل عن عرشه.
يصفون العرب بان نارهم قش، أي لا تستمر مشتغلة وسرعان ما يخمد حماسهم. تثبت الشعوب العربية في هذه الايام بطلان هذا الوصف، فها هم في تونس ومصر وليبيا واليمن وبقية اوطان المقموعين يعلّمون قامعيهم ان "الذين يكنزون الذهب والفضة انما يكنزون في بطونهم نارا.. وان العارين في الدنيا كاسون في الآخرة" مؤكدين لطغاتهم الكاسين في الدنيا على حساب شعوبهم ان امثالهم ينتظرهم عار وعري في كل مكان وزمان.
