يوم الأرض حطّم جدار الخوف وبدد أوهام الصهيونية

single

*لأنها معركة شاملة لا يمكن للعمل الوطني ان يحمل ملامح فئوية ولا طائفية ولا جهوية وان يحمل قيم المشاركة الشعبية: أحزابا ومؤسسات المجتمع المدني، مناطق وجهات، رجالا ونساء، شيوخا وشبابا  الى جانب التمسك بالثوابت واحترام التعددية وصيانة الثقافة الوطنية*


لم يكن المخاض سهلا، لإنتاج يوم الأرض الأول قبل 40 عاما، وسبقته استعدادات استمرت على مدى أشهر عديدة. والقرار بالإضراب العام صدر قبل اسابيع من موعده، لأنه كان العمل الكفاحي الجماعي الشامل الاول في تاريخ جماهيرنا العربية في البلاد. وكانت تلك الفترة ما زال عالق فيها آثار رهبة النكبة وما تبعها، من جرائم ونكسة. ولكن هذا لا يعني أنه على مدى ثلاثة عقود تقريبا، كانت جماهيرنا تجلس جانبا، بل ناضلت وكافحت، وخاضت معركة البقاء والحفاظ على الهوية، بقيادة الحزب الشيوعي، مفجّر يوم الارض الخالد، وهذه حقيقة لا يمكن لأحد أن يتجاوزها، حينما نعرض التاريخ على حقيقته.
وكان يومها حجم المسؤولية أكبر مما نتصوره، ملقى على القيادة الشعبية من خلال لجنة الدفاع عن الأراضي التي اقامها الحزب، لأن هذه تجربة المعركة الشاملة الأولى، وكان من الضروري والمُلح جدا، أن تنجح رغم حملات البطش والترهيب التي اتبعتها السلطة بكل أذرعها، مستخدمة أساليب الحكم العسكري ذاتها، رغم انهائه رسميا قبل عشر سنوات من تلك الأيام. وأي مغامرة غير محسوبة في تلك الايام كان من شأنها أن تعيد شعبنا الى أيام رعب النكبة، وتحطيم كل ما تم انجازه بعد النكبة، من جيل ثائر.
وهذا ما قاد إلى عقد الكثير من الأبحاث في الحزب، وايضا في لجنة الدفاع عن الأراضي، لاتخاذ كافة التدابير لإنجاح هذا اليوم، الذي بات تاريخيا، ليس فقط على صعيد جماهيرنا العربية، بل على صعيد الشعب الفلسطيني عامة، وقوى التحرر المناصرة لقضيتنا في كافة أنحاء العالم.
يوم الأرض ارتكز على الجيل الجديد الذي نشأ بعد النكبة، ولم يكن قد عايشها ولم تطاله رهبتها. وقد تثقف على خطاب ثوري متمرد، وأدب وشعر المقاومة، شعر توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم وغيرهم. ونجحت البطولة التي سطّرها هذا الجيل بأن يشجع أجيال النكبة على نفض بقايا الخوف عنها، والالتصاق بتلك الأجيال. ومن ناحية أخرى فإن بطولة يوم الأرض دفعت بالكثيرين من أبناء شعبنا ليصحو بعد أن كانوا مضللين في المعسكر الند، معسكر السلطة.
لقد عكس يوم الأرض وحدة جماهيرنا العربية المقهورة في وجه الصهيونية والطغيان والملاحقة والقمع والاقتلاع. وهذه الوحدة ما كان من الممكن نعتها بالتقوقع القومي، لأن أهدافها ثورية وطنية تقدمية، نظيفة من كل الآفات الفئوية، الطائفية والجهوية، حيث انصهر فيها الشعب في المعركة الواحدة، ضد المعتدي الواحد. كما برز في يوم الارض وجه شعبنا الحضاري، وكانت المرأة في الصفوف الأولى للمعركة، وايضا من ضمن الشهداء.
وهذا كله مجتمعا، اضافة الى عوامل أخرى، ساهم في جعل يوم الأرض بطولة وصرخة وصلت الى كافة أنحاء العالم، رغم محدودية الإعلام، مقارنة مع ما هو قائم اليوم. لقد نجح يوم الأرض في ايصال رسالتنا الى العالم، والى عالم "ذوي القربى"، الذين أداروا الظهر لنا، بعدما زجونا بنا في خانات الصهينة، وأسمونا "عرب إسرائيل". 
إن دروس يوم الأرض، ما سبق، وفي اليوم ذاته ولاحقا، يجب ان يستفاد منها في مرحلتنا هذه، التي تشهد هجوما متصاعدا من المؤسسة الحاكمة، متعدد الاتجاهات: ضرب حقنا في التعبير عن موقفنا، وحقنا في الكفاح ضد سياسة الحرب والاحتلال والتمييز العنصري، وتجريم عملنا السياسي، وقولبة خطابنا بما لا يخدش "الحس الديموقراطي المرهف" للحركة الصهيونية ولا يقض مضاجع الصهيونية ومؤسستها الحاكمة, وفي المقابل ان تواصل المؤسسة سياسة الاقتلاع والتشريد والحرمان من مقومات الحياة الطبيعية.
لقد كانت الوحدة الشعبية التي جرى تشييدها حول لجنة الدفاع عن الأراضي عنصرا أساسيا في نجاح يوم الأرض، واليوم في مرحلة التعددية السياسية والتنظيمية فان مفهوم الوحدة يجب ان يحمل معه سمة المرحلة بمعنى ان تكون الوحدة شعبية وطنية وسياسية حزبية في اطار الهيئات التمثيلية الوحدوية الملتزمة بمشروع البقاء والتطور والتقدم.
لأنها معركة شاملة لا يمكن للعمل الوطني ان يحمل ملامح فئوية ولا طائفية ولا جهوية وان يحمل قيم المشاركة الشعبية: أحزابا ومؤسسات المجتمع المدني، مناطق وجهات، رجالا ونساء، شيوخا وشبابا  الى جانب التمسك بالثوابت واحترام التعددية وصيانة الثقافة الوطنية.
لأنها تحمل قضية عادلة فهي قادرة وملزمة ان تطرق كل باب محليا وعالميا ولذلك لا يمكن الا ان تكون دمقراطية وتحمل توجها محليا وطنيا وشموليا عالميا وترفض الانكفاء والانطواء.
ولأنها معركة تتطلب نفسا طويلا ورؤية ثاقبة فيجب على القوى الثورية والوطنية ان تكون شجاعة مقدامة لا تتودد لعدوها ولا تخطب رضاه ولا تساوم على ثوابتها وتعرف ان حقها في المواطنة المتساوية مشتق من كونها صاحبة الوطن وليس من كرم المؤسسة الصهيونية ومن رضاها عن رعاياها وتؤمن بحتمية انتصار القضية العادلة وتعرف انها قد تدفع ثمنا شخصيا وشعبيا للصمود ولكنها في الوقت نفسه مسؤولة لا تغامر ولا تقامر وتعتمد الجاهزية الثورية والتعبئة والتنظيم الثوري والالتصاق بالناس وبقضاياهم.


*هكذا نحمي الناس ولا نحتمي بالناس...*

لقد رفضنا منذ النكبة أن نكون دواجن في أقفاص الحركة الصهيونية، فاقدين للهوية والانتماء واللغة، وجاء يوم الارض ليحسم تلك المرحلة بالرد القاطع، وكانت الهزة الجماهيرية يومها قد ساهمت في ايقاظ الكثيرين من كابوس التدجين، ولا يمكن اليوم بعد 40 عاما من تلك المأثرة، أن يطلب منا أحد أن نعود الى مرحلة ما قبل يوم الارض، ولا يمكن السماح للسلطة الحاكمة بأن تعيدنا الى تلك المرحلة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الأعراس فزّاعة الصّيف الموسميَّة

featured

هل ما زلنا ماركسيين؟!

featured

ليبرمان ونتانياهو.. خذوني كما أنا

featured

ماركس هو أرسطو العلوم الاجتماعية

featured

هاشم محاميد، يرحل بهدوء

featured

أقوى من الفيتو الأمريكي

featured

إستمرار حرب ألنكبه - ألإستقلال