بات من الواضح ان الواقع الاسرائيلي الراهن يشهد تصعيدا خطيرا منذ سنوات في صعود القوى اليمينية وتمكنها من سدة الحكم في الدولة، وتغلغل عناصرها الى مختلف المواقع القيادية والاجهزة المتنفذة. هذا الانحدار السريع نحو هاوية الفاشية، يبدو للمراقب مثل مركبة تهوي دون أن يكون لقائدها أية سيطرة بعد ان فقدت من قوة فراملها، ولكن امعان النظر بما يجري - خاصة في الحلبة التشريعية، وفي القوانين المقترحة على طاولة الكنيست منذ عودتها الى العمل في دورتها الشتوية - يؤكد أن هذه المركبة تسير بخطى مدروسة ومخطط لها لتعطيل أي فرامل وضعتها الديموقراطية التي اعتبرناها حتى اليوم زائفة في المحيط الاسرائيلي.
ويبدو للوهلة الاولى أن الانقضاض على الهياكل المتآكلة من هذه الديموقراطية يسير بتؤدة ولكن بثبات نحو خلق واقع قانوني عنصري يميني سيكون من الصعب مواجهته دون تحرك سريع، قد لا تتوفر الظروف الموضوعية اليوم على الساحة السياسية للقيام به. فمن المفروض ان تنظر الكنيست الاسرائيلية في الاسبوع المقبل في اقتراحات قوانين تضيّق الخناق على أي صوت عقلاني ديموقراطي مناهض للاحتلال وللمظاهر العنصرية في البلاد. الاقتراح الاول والذي يتنازع بشأن الملكية عليه "الليكود" من ناحية و"يسرائيل بيتينو"، من ناحية أخرى، يسعى لتقييد التمويل الممنوح لمنظمات المجتمع المدني اليسارية من جمعيات حقوق انسان وحقوق الاقلية العربية والمنظمات المناهضة للاحتلال بحيث يمنع عنها التمويل الاجنبي الذي سهل لها حتى اليوم اداء واجبها الاخلاقي والانساني في فضح سياسات الاستيطان والتمييز والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. فبدل أن يجري التعاطي مع التحدي الحقوقي الذي يطرحه نشاط هذه الجمعيات تقوم عناصر اليمين بمقاومته على الصعيد الشعبي، بتهديد النشطاء فيها، وآخرها التهديد بالقتل الذي جرى توجيهه لنشيطة " سلام الآن" والمسؤولة عن مراقبة حركة الاستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة، وعلى الصعيد التشريعي بسن قوانين تقيد من حركة هذه المؤسسات ومن ديمومة نشاطها من خلال قطع التمويل عنها.
من الواضح أن الهدف المركزي لهذه القوانين هو اخراج أي صوت يرتفع ضد السياسات الحكومية اليمينية المتطرفة، خارج دائرة الشرعية وجعل النيل منها أمرا سهلا، فما لا يتم بالقوة يتم بقوة أكبر منها.
كما أن اقتراح القانون والقاضي بأن يتم استجواب المرشحين لمناصب القضاء في المحكمة العليا استجوابا علنيا أمام النواب في الكنيست، يأتي عمليا كخطوة سياسية للنيل مما تبقى من أركان استقلالية القضاء الاسرائيلي، ويتيح لعملية "صيد الساحرات" التي بدأت منذ مدة ضد الجهاز القضائي وضد هيبة المحكمة العليا، بأن تتم علانية ودون مواربة وباسم القانون تحديدا.
كنا دائما قد حذرنا من محدودية جرأة قضاة المحكمة العليا في البت بقضايا سياسية مفصلية وخدمتهم في احيان كثيرة سياسة القمع والاحتلال والاقصاء والتهميش الرسمية، الا ان ذلك امر قد يبقى ثانويا ازاء وضعية يسلط فيها على رقاب المرشحين للجهاز القضائي سيف الموقف السياسي والاخلاقي، الذي قد يتخذه احدهم خلال مسيرته المهنية. معنى هذا الاقتراح المقدم للكنيست بأن يتعرض المرشحون لهذا المنصب الى مساءلات سياسية وعمليات ابتزاز من نواب الكنيست ومن الرأي العام الاسرائيلي، خلال محاولاتهم الارتقاء في السلم القضائي المهني، ويفتح الباب على مصراعيه امام فرض ارهاب فكري وسياسي ومهني على الجهاز القضائي كله لتغيب الاعتبارات المهنية لتحل مكانها الاعتبارات الخاصة لدى النواب اليمينيين لضمان تنفيذ مخططاتهم. والامر لن يقف عند الموقف من الاحتلال ومن حقوق الاقلية العربية في البلاد وانما سيصل الى الموقف من حقوق العمال ومن شروط "السوق الحرة" المجحفة ومن مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية.
وفي السياق ذاته يأتي اقتراح القانون الذي تقدم به النائب أفي ديختر، رئيس جهاز المخابرات " الشاباك" والذي يحاول من خلاله أعادة هيكلة جوهر هذه الدولة، في نص قانوني يفرض الدولة دولة "للقومية اليهودية" ويلغي رسمية اللغة العربية ويشرعن بناء التجمعات السكنية أحادية القومية – اليهودية- ويثبت رموز الدولة الصهيونية من شعار ونشيد قومي ، الامر الذي يعني القضاء نهائيا على مفاهيم المواطنة الكاملة والمتساوية للجماهير العربية، ويفضح الوجه الحقيقي لهذه الهجمة اليمينية التي تريد في نهاية المطاف الاستفراد بالجماهير العربية واخضاعها، دون ان يكون لها في المعترك شركاء يرفعون الصوت ضد هذا المخطط .
وبالطبع فإن هذه الاقتراحات تنضم الى مجموعة طويلة من القوانين التي جرى تشريعها منذ الانتخابات الاخيرة مثل قانون "المواطنة والولاء" وقانون "منع أحياء ذكرى النكبة" وقانون "المواطنة" وقانون "لجان القبول" والحبل على الجرار. هذه المنظومة التشريعية التي جاءت لتقوض الاركان الهشة لما يسمى الديموقراطية الاسرائيلية تخلق واقعا، في حال استمرارها، قانونيا جديدا تصبح المعركة الاساسية فيه عدم الوقوع في شركه وتفادي ضرباته.
هذا التوجه المدروس الذي تنفذه قوى اليمين المهووس بمثابرة وبدعم واضح من حكومة نتنياهو – ليبرمان – براك، يعتمد اصلا على مد شعبي يميني تغذى في السنوات الاخيرة على خطاب التخويف والترهيب للطبقات الشعبية مما درج اليمين على تسميته بالمخاطر المحيقة بالدولة اليهودية. والحقيقة ان اليمين الذي يعي ضعف ما سمي في الماضي اليسار الصهيوني وتراجعه وعدم قدرته على تشكيل بديل حقيقي لسياسة اليمين وسيطرة اليمين على الساحة السياسية يتيح له أن ينطلق جهارا في خططه التي يستلزم تنفيذها تغييب وضرب أية قوة نضالية حقيقية بامكانها على الاقل رفع صوتها وفضح هذه السياسة.
إن مجاهرة اليمين علانية وقطعان المستوطنين بأفكارهم العنصرية وممارستها على ارض الواقع في الدعوة لمقاطعة العرب والاعتداءات على الممتلكات والمقدسات العربية والانسان العربي ما كانت لتتم بهذه الوقاحة لولا الثالوث الذي يشكل الركيزة لهذا الانفلات: ضعف قوى اليسار الاسرائيلي الصهيوني وتخبطه بين صهيونيته ويساريته الليبرالية، والدعم اللامتناهي الدولي وغطاء الحماية الذي توفره الامبريالية الامريكية والتواطؤ الاوروبي، والائتلاف الحكومي المتين الذي حافظ على اتساعه بفضل شراكة المصالح الضيقة لاعضائه.
ان الجماهير العربية ستكون المتضرر الاكبر من هذا الخطر الداهم، وان لم تكن الوحيدة،وحتى لا نقول "أكلنا يوم أكل الثور الابيض"، يحتم علينا واجبنا وحقنا في أن نحافظ على وجودنا النوعي في أرض الاجداد، أن نقبض على جذوة النضال وقيادته، بحيث يبقى الامل في الاعتماد على موروثنا النضالي الواعي والمتزن، وتوسيع دائرته لتشمل جميع الاصوات العقلانية المناهضة للحرب والاحتلال والتمييز والقمع والمساهمة في تعميق الهوة بين الصهيونية واليسارية الليبرالية، وبناء جبهة واسعة ضد الفاشية التي تنتظرنا تماما وراء هذا المنعطف.
