لم أكن اعرف القيمة الغذائية للبصل، كنت اكرهه وانا صغيرة وأحاول إبعاده عن صحن الطعام حتى لا أشم رائحته النفاذة، كنت أرى امي وهي تنشر رؤوس البصل على السطح حيث تقوم بفرد شرشف ثم تضع رؤوس البصل بعناية وحرص ثم تقف و تتأمل الرؤوس المدورة البنية المائلة إلى اللون الذهبي باطمئنان، وما ان تنتبه انني وراءها حتى تستدير وتقول بصورة كأنها تعرف ماذا يدور في بالي – لوشفتك رميتي رأس بصل راح اقطع راسك - أتحسس عندها راسي واقسم انني لن اقترب نحوهم، سأدع البصل ينشف بأمان حتى يصاب باليباس، لكن سرعان ما انسى قسمي أثناء اللعب في الساحة وأتسلل الى السطح وأبدأ برمي البصل على الاولاد فينزل كالحجارة على رؤوسهم، وفي إحدى المرات ما أن رميت رأس البصل حتى أصاب رأس شقيقي واذ بالدم ينزف كالنافورة ويغمى عليه، فهربت.. لكن الى أين ؟ الحارة محاصرة والعيون مخابرات والأصابع تشير حتى القي القبض علي.. منذ ذلك الحين وعلاقتي مع البصل علاقة نفور وابتعاد وعقاب .
اثناء المظاهرة التي اندلعت في مدينة الناصرة عام 82، بعد ان خرجت الصور المؤلمة والمفجعة التي تظهر وحشية الذين ارتكبوا مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان وجثث الضحايا الذين تم اغتيالهم بدم بارد، وقتها لم تكن الفضائيات قد بدأت تغزل بمغزل اللهفة والرصد والملاحقة وبث تفاصيل التفاصيل، كانت نشرات الأخبار تحشو بعض الصور لجثث منتفخة بالإهمال والاغتيال و وكيف تم صيدها كالحيوانات غفلة في الشوارع والطرقات والبيوت، مرفقة بالصراخ والعويل والمناشدة.. لكن لا أحد، جثث لشباب وشيوخ ونساء واطفال تدل ملابسهم على الفقر واللجوء والحرمان وكان لا يكفيهم هذا الثالوث حتى اضيفت البلطات والرصاصات والجرافات لتمحو الوجود ويضاف الى النسيان نسيان جديد،
اثناء المظاهرة خرجت قوات الشرطة من الجحور وبدات تلاحق المتظاهرين، انتشرنا بين الازقة والطرقات والشرطة تركض و تطلق قنابل الغاز، وجدت نفسي داخل ضباب من الغاز الخانق، ولا اعرف كيف جرتني إمرأة برزت من احد البيوت المتلاصقة في حارة السوق ووضعت فوق انفي رأسًا من البصل وأخذت تفركه وتدعكه وتردد امامي:
قالوا ان البصل أحسن اشي لمقاومة قنابل الغاز، وبين الفرك والدعك شعرت ان انفي قد تحول الى مزرعة من البصل وان وجهي قد التهب واصبح نموذجًا حيًا لانتقام البصل.
أعترف ان رأس البصل انقذني من رائحة الغاز والسقوط بين ايدي الشرطة، واخذت اسمع عشرات القصص عن رؤوس البصل التي قذفت من ابواب ونوافذ الحارات في الناصرة خاصة حارة السوق، نحو المتظاهرين حتى يتخلصوا من روائح الغاز.
المرة الثانية في مدينة قلقيلية. فجأة اندلعت مواجهة بين مجموعة من الشباب مع قوات من الجيش، بدأت قنابل الغاز تُرمى، فحاولت الابتعاد.. لم استطع، الطريق مغلق، التصقت بالجدار حتى دخلت اسمنته، الضباب المحمل بالغاز ينتشر بالفضاء، فشعرت بالاختناق، واذ بعجوز يرمي علي رأس بصل ويصرخ " شميه بسرعة" اخذت استنشق رائحته، شهيق وزفير، حتى انزاح الضباب الغازي عن الحارة.
في ادبيات الانتفاضة حضرت رؤوس البصل وهي بكاملها تضامنها مع المنتفضين، تسلحوا بها، وكانت خلاصا وقتيا امام جبروت الغاز واعتبرتها الامهات دليلا على الصمود والثبات والتحدي الى جانب الحجارة.
مع اختفاء "انتفاضة الحجارة" اختفت قيمة البصل الذي عاد الى قواعده في المطبخ ممزوجا مع الطعام في الطناجر الذي حبسته في فواتير المعدة، ولم يعد يخرج مرتديا ثياب المقاومة، سمعنا ان رأس البصل ما زال مقاوما في "بلعين" و "نعلين" آخر المناطق الفلسطينية الثائرة، وينضم اسبوعيا للمتظاهرين .
بعد ان بقي رأس البصل حبيس المطبخ الفلسطيني تحوّل بعد اتفاقية اوسلو الى قزم يرشو موسوعة "غينس" للدخول في مسابقة اكبر رغيف مسخن.
وعاد رأس البصل الى الواجهة، عندما أرادت اسرائيل تأديب المطبخ الغزاوي ايضا عن طريق حرمان قطاع غزة من دخول البصل والكزبرة وغيرها من التوابل والخضار، مع ان خدود الناس هناك تعودت على اللطم، الا ان عدم ادخال البصل والكزبرة يجب ان يدفع اصحاب ( غينس ) الى فتح صفحات عن ضحالة تفكير الاحتلال.
قد تكون اسرائيل عرفت قيمة البصل في المقاومة فأرادت إخلاءه من الاسواق قبل ان تشن حربها وتجد من يقاوم حتى ولو بالبصل.
السؤال الآن هل سيخرج البصل الفلسطيني من المخازن بعد استحقاق ايلول والتوجه الى الأمم المتحدة، ام سنبقى أسرى رؤوس لا تحتمل رائحة البصل المقاوم.
