نساء ودماء الأولمبياد

single

بعد ان وضعت ألعاب الاولمبياد أوزارها وعاد كل اللاعبين لديارهم محملين بالميداليات الملونة او بتجارب الخسارة والربح الملونة بجميع أشكال المشاعر الإنسانية، بعد ان انتهى عرس الجنس البشري استعراض قواه وتحدى حدود الأرقام القياسية بالركض والسباحة القفز والجمباز ورمي الرمح والقرص وغيرها، عزمت ذهنيا وخططت نسويا ان اكتب مقالة مليئة بالتفاؤل والفخر والاعتزاز ب111 امرأة عربية خاضت هذه التجربة الرهيبة العالمية منهن من شاركن لأول مرة في تاريخ الرياضة العالمية بالاولمبياد .
رسمت لكم بريشتي الصغيرة قصة البطلة هايدي عادل ابنة 16 عاما من مصر لتكون اصغر فتاة عربية في مباريات  ريو 2016، اما الربّاعة السعودية  سارة العطار فقد تحدت المغردين في موقع تويتر ضدها بحجة ان الإسلام يمنع هرولة المرأة امام الرجال ويثير غرائزهم الجامحة وركضت سارة على مسار دون ان تكترث بلباسها الأسود والأخضر لتجتاز خط النهاية ، اربع رياضيات مثلن السعودية في الاولمبياد البرازيلي إحداهن انسحبت من منازلة نظيرتها الاسرائيلية في لعبة الجودو مسجلة موقفًا وطنيًا طيبا على عكس سياسة بلادها المشينة.  ثم أفرحت قلبي رافعة الأثقال سارة احمد بنت الثمانية عشر ربيعا، من مصر والتي فازت بالبرونزية الأولى لبلادها. اما  العالم فأثقل كتفيه غطاء رئسها الأحمر وليس وزن الفولاذ الذي حملته يداها.
 دمعت عيوني وخفق قلبي للسباحة يسرى مرديني التي شاركت في الألعاب ممثلة فريق اللاجئين من العالم بعد ان جرّت قاربا بأسنانها لساعات يحمل عشرين لاجئا سوريا لبر الأمان،  لم تفز يسرى بميدالية ولكنها مثلت مليون لاجئ سوري وأخبرت العالم قصة شعبها النازف.  جاء التشويق والإثارة من لعبة كرة الطائرة الشاطئية حيث لاقى فريق سيدات مصر الفريق الألماني، لبست لاعبة مصرية لباسا محتشما وكاملا (البوركيني- برقع + بيكيني) والألمانية البيكيني، وهاج العالم ولم يقعد وأعلن بعض المعلقين انها" حرب الثقافات، والحضارات"، انها المواجهة الكبرى !! والتي تدور معركتها على جسد امرأة حسب مساحة القماش الذي ترتديه وليس حسب أدائها الرياضي . 
ارتجفت أصابع  كيميا علي زادة الإيرانية وهي تدخل ما خرج من شعرها الأسود الناعم تحت المنديل،بعد ان ادركت انها ستعود لطهران بالبرونزية في بطولة التايكواندو كأول بطلة اولمبية إيرانية.
 لم اكترث لاي فوز أمريكي هذا الصيف مثلما تابعت المبارزة بالسيف حيث فازت ابتهاج محمد ممثلة فريق الولايات المتحدة، بحجابها جنبا الى جنب اللاعبات الأخريات، فهي مسلمة ولا تمثل اي بلد عربي.
 في فقرة التاريخ العريق كتبت في ذهني بعض السطور عن نوال المتوكل من المغرب،المرأة العربية الأولى في العالم التي تفوز بميدالية اولمبية عام 1974 في سباق 400 متر حواجز وبهذا الإنجاز حطمت الحواجز امام جارتها حسيبة بالمقرة الجزائرية التي حطمت الرقم القياسي في سباق 1500 متر في دورة لوس انجلس، أحرزت النساء العربيات في البرازيل نصف الميداليات العربية جميعا، وأرسلن للعالم رسالة لا يمكن تأويلها،فعندما ُيفتح المجال للمرأة بالمشاركة في آي مجال، اي مجال على الإطلاق فإنها تبدع وتنجح. في دفتر أحلامي حلمت اني كنت مع  حفيدتي الصغيرة وهي تقرأ مقالي المتخلف والرجعي، وتسألني بسخرية " كيف كنت بهذه السخافة جدتي؟، وكتبت عن مشاركة العربيات في الأولمبياد؟ وماذا لبسن؟ ما علاقة الحجاب بالرياضة ؟ هذه التفاهات ملأت رؤوسكم حقًا؟ وضحكت معها بالحلم العذب هذا .. وإذ بيد من حديد جارحة وخشنة الملمس تنتشلني من حلمي مع رنين الهاتف المزعج،مكالمة من صحفي في السابعة  " سماح، لقد قتلت امرأة من طمرة، ام وحامل، قتلها زوجها قبل قليل، هل ستبعثين لي ردة فعل؟ هل ستنظمون احتجاجا ؟ هل ستصدرون بيانا؟.. الو سماح هل سترسلين لي ردا 
قتلت آمنة ياسين في بيتها بين أولادها، لم تلبس البوركيني، ولم تقفز في بركة السباحة ولم تخدش ايمان وعقيدة اي رجل!، لم تستلم آمنة شهادة تقدير بل كتبت لها شهادة وفاة، لم تحمل آمنة علم أي دولة بل حملت طفلا لم يولد بعد، ولم تسمع النشيد الوطني بل   نحيب النسوة اللواتي بكين موتها.
 بكيت وبكيت كأني عرفت آمنة ياسين، ولكني في الحقيقة بكيت واقعنا، حزنت لان نساء هذا العالم ونساء العالم العربي ما زلن يقتلن، وما زالت دماء بعضنا تسفك باسم الرجولة والعنف والسيطرة، في أقطاب هذا العالم تكافح النساء من اجل حرياتهن وما زال  نضالنا طويلا وصعبا، استشهدت هذا العام ست نساء في بلادي الدامية، وحصلت نساء العرب على ست ميداليات اولمبية، هذا قدرنا وهذه مسيرتنا في درب الآلام، احيانا ننطلق بسرعة صاروخ وأحيانا نعدو نحو الحرية وأحيانا نمشي مثقلات بالحمل  والبعض يسقطن يأسا ويستسلمن تحت وطأة المنظومة الرجولية القاسية لتطحننا وتصنع منا قالبا ملائما لرجل ما. ولكن اعلمن يا نسائي الحبيبات ان شعلة الحرية لن تطفأ ابدا، وسنبقى جيلا بعد جيل نودعها إحدانا للأخرى، فمنا من تتسابق ومنا من تتعلم ومنا من تربي أطفالا ومنا من تبدع، حتما سوف نكمل مشوار النضال هذا لنبقي خلفنا موروثا نسويًا مشرفًا لأولادنا وبناتنا، وليتعلم رجالنا القابعون في قبو التخلف والتعنت كيف تنتفض النساء،وكيف تتحرر الشعوب من أوصادها . معنا رجال كثر في النضال ونحتاج المزيد من جنود الحرية لنكمل المهمة . لا نحتاج رجال العضلات المفتولة والعقول المشلولة، ولسنا بحاجة لقادة تخطب فينا وتوجهنا،نحتاج لجنود مخلصين، رجال حقيقيين، يشاركونا الحلم والأمل لنصل معا لمجتمع متنور ومتطور آمن ومتحضر .
قد يهمّكم أيضا..
featured

تكريم شخصياتنا العربية في البلاد

featured

المساواة ولا شيء غير المساواة

featured

هنيئا لباقة الغربية

featured

لكبح الثور الأمريكي الهائج!

featured

يوميات هدى وأرشيف البداية 90 عامًا

featured

أداة أمريكا: مبادرة الشراكة الشرق أوسطية

featured

CIA تفضح اسرائيل و"النصرة"