نهاية بلوم (3-3)

single

ناصر وابراهيم شقيقان يعملان معا في فلاحة الأرض، ما زالت ذاكرة كل منهما تحمل فصلا من فصول التعذيب " القراقوشية "، واذا كانت الذاكرة عبارة عن غربال قد تسقط منها الحكايات والصور، فإن حكاية بلوم ستبقى ملتصقة لأنها تلخص الذل الممزوج بالخوف والرعب والعبث الاحتلالي. قال ناصر: كنت اعمل مع شقيقي في سقي قطعة ارض نملكها قريبة من طريق السلطاني، لسوء حظنا كانت دوريات حرس الحدود غالبا ما  تمر من هذا الطريق لاصطياد ضحاياها، في يوم كانت الدنيا قبل الظهر والناس صايمة كنا مشغولين بحالنا وانت بتعرف بان طريقة السقي التي كانت  معروفة  آنذاك هي طرقة الأحواض، لأن الري بالرشاشات وبواسطة التنقيط ما كانت معروفة، اثناء عملنا مرت سيارة حرس الحدود كالعادة لكنها في هذه المرة وقفت بالقرب منا، لم نهتم لها، لكن سائقها اخذ يزمر حتى يلفت انتباهنا. لما سمعت الزامور رفعت رأسي وقفت واخذت اطلع على السيارة اللي نزل منها واحد من زلام الدورية واخذ يشير بايدو الينا، قلت لشقيقي ابراهيم: حضرتهم بنادوا علينا، رد اخي وقال: اذهب انت وانا راح ابقى هون اسقي لانو اذا تركنا جريان المي في الاحواض على حاله راح تغمر المي الارض وتحرق الاشتال المزروعة..
توجهت وحدي اليهم، لكن قبل ما اصل الى السيارة، طلب مني الشرطي ان انادي على شقيقي وقال: مهددا اذا حاول أخوك الهروب راح نطلق عليه النار،  خفت على أخي من غدر هذا الجبان،  فناديت عليه بسرعة.عندما نزل " بلوم" من السيارة  تعوذت من الشيطان لانني قرأت في وجهه "عبس وتولى" ما ان وقفنا قباله حتى اخذ يلف ويدور حولنا ويتوعد ويهدد قال لي: احد جيرانك ابلغني بانك كل يوم تخرج من بيتك في ساعات منع التجول، اجبته في الحال هذا كلام غير صحيح، انا لا اخرج من بيتي بعد صلاة العشاء، قبل ان انهي كلامي، سألني هل معك تصريح؟ كان جوابي انا موجود في بيتي واظن ان البيت مش بحاجة لتصريح – التصريح كان للسفر خارج البلد فقط -  بعد ذلك انتقل الى سؤال كشف عن نواياه وعدوانيته، سألني انت متجوز؟  قبل ان اجيبه قلت في نفسي شو بدو مني هذا المعتوه! اجبته نعم انا متجوز! ثم سأل شقيقي ابراهيم كمان انت متجوز؟ اجابه شقيقي انا عزّابي،  يعني غير متجوز! عندها اقترب مني وصفعني على وجهي  وهو يصيح، ليش انت متجوز؟ عشان تخلف عربي زغير يصير فدائي، وقبل ان افيق من صدمة اعتدائه البهيمي هاجم شقيقي بعنف اشد، صارخا في وجهه، ليش انت يا حمار مش متجوز؟ فقد شقيقي صوابه من هذا الاعتداء الوحشي، وحاول الانقضاض عليه لكنني منعته بكل قوتي خوفا عليه من انتقام " بلوم ".بعدما افرغ سموم حقده فينا، اخلى سبيلنا ورأسينا منكسين لاننا شعرنا بعجزنا امام هذا الجبان الذي يحتمي وراء دولة لا يفهم المسؤولون فيها الا لغة العنف.
بعد ان انهى حديثه الذي كان ينضح بالحزن والألم قال: انت مستغرب من اللي صار معنا لو تعرف شو صار مع جارنا ابو السعيد راح تستغرب اكثر.سألته شو صار  قال:الله خلق ابو السعيد طويل، يعني طول زلمة ونصف تقريبا، اما اخاه العبد فكان قصير القامة، وانت بتعرف المثل العربي "البطن بستان"  لكن هذا البستان ظلم الاخوة في الطول والقصر.التقى بهما المجرم بلوم على الشارع الرئيسي وهما يحملان مواسير للسقي، اوقفهم وسط الطريق واخذ يضرب ابو السعيد قدام اللي رايح واللي جاي، كان يصرخ في وجهه... ليش انت طويل؟ بعدها اخذ يضرب اخوه العبد ويقوله: ليش انت قصير؟ بعدها تركهم وركب السيارة  وراح..الريح ينفخه.وفعلا الريح نفخه، بعد ان تكررت شكاوى المواطنين ضده، ومخاتير القرى قدموا  العرائض الرافضة لوجوده،  أصدر وزير الداخلية امرا بطرده من خدمة شرطة حرس الحدود، بعد فصله من الخدمة عمل في دهان البيوت ـ لكنه احترف السرقة من البيوت التي كان يعمل فيها، كانت خططه بعد الانتهاء من دهن البيوت العودة مع افراد عصابته  لسرقة محتوياتها.هذه المعلومات سمعتها عندما زرت سجن "معسياهو" الواقع بالقرب من مدينة الرملة عام 1971، خلال زيارة احد المعارف المسجونين، حيث رأيته – كان نظام السجن يختلف عن بقية السجون في البلاد حيث يستطيع الزوار الجلوس مع نزلاء السجن في الساحات الخارجية -  سألت عنه لانني اعتقدت ان هناك شكا في هذا الشخص، لكن اكد لي السجين ان هذا هو فعلا "بلوم". حدقت في وجهه متشفيا، كان يعمل الى جانبنا في حديقة السجن، مرتديا  ملابس السجن، ورغم هذه الملابس الا ان اصابعه التي تزرع وتنظف، تؤكد انها كانت تخنق وتدفن، انها لم تخلق لاطلاق روح الانسانية والدفء الانساني. لاحظ السجين ان" بلوم"  ينظر الينا بريبة ويتنصت علينا، فنهره وشتمه وسأله: هل عرفت واحد من هدول ؟ هل فيهم واحد من ضحاياك؟ انقلع من هون. ذهلنا جميعنا من الحضيض الذي وصل اليه واخذنا نشتمه.. ترك كل شيء وهرب.
(انتهى)

قد يهمّكم أيضا..
featured

النموذج الدبلوماسي والقضية الفلسطينية

featured

هويّةٌ مزعومةٌ بل مُختَلَقَةٌ

featured

لبّوا صرخة الخليج!!

featured

خدعة "تلاشي" التضخم المالي

featured

أنحني تقديسًا لأم أحمد جرار

featured

غباء فائض القوة... وحكمة المقاومة (2-2)

featured

أبو زياد، حبيب زريق – طالَ عُمْرُكَ