تزداد حدة الصدع ما بين الحكومة اليمينية ورئيسها من جهة، وبين المؤسسة القضائية وفي مقدمتها المحكمة العليا من جهة أخرى، وليس بفعل التوتر الحاصل بالضرورة بين سلطات منفصلة، بل بسبب مخطط واضح لتقليص صلاحيات المحكمة العليا بهدف فرض أجندة اليمين السياسي والاجتماعي والاستيطاني، من خلال قوانين تقوّض حقوقا أساس معترفا بها وذات مكانة شبه دستورية، بموجب النظام القانوني الاسرائيلي نفسه. آخر تجليات الصراع انعكست في ان رئيسة المحكمة العليا استر حيوت رفضت لقاء بنيامين نتنياهو إلا بالتراجع عن بحث وزاري لقانون يقضي بالالتفاف على المحكمة العليا وقراراتها. حاليًا اضطر رئيس الحكومة للرضوخ، لكن هذا لا ينهي الأزمة.
والسبب أن حكومة نتنياهو (بما يشمله هو شخصيًا) ماضية بتعنّت وغطرسة لسن قانون يلغي صلاحية المحكمة العليا في نقض قوانين تقرها الكنيست. نتنياهو رفض جميع التسويات والحلول الوسط ويصرّ على الصيغة الأكثر تطرفا ويقترح سن قانون مشابه للقانون البريطاني، لا يجيز للمحكمة العليا نقض قوانين يقرّها البرلمان، بل يتيح للمحكمة إبداء رأيها بالقانون فقط. معارضو هذا المقترح يقولون إن في بريطانيا دستورا واضحا، وهو ما ليس قائما في إسرائيل. أما شركاء نتنياهو في الحكومة من حزب المستوطنين، البيت اليهودي، فيصرون على سن قانون يسمح بنقض موقف المحكمة - اذا رأت تناقضا بين قانون ما وحق دستوري – بأغلبية 61 عضو كنيست فقط. أي الائتلاف الحاكم نفسه!
في السلطة القضائية يرون ان جميع هذه المقترحات تهدف إلى ضرب صلاحيات واستقلالية المحكمة العليا، وبالتالي الديمقراطية وحقوق الإنسان. وعلى الرغم من دور المحكمة المحدود حد القصور والتقاعس فيما يتعلق بمأسسة الاحتلال والاستيطان بمزيد من القوانين والأنظمة، فإن اليمين الاستيطاني يسعى لقطع الطريق على أيّ تدخل المحكمة العليا في مشاريع قوانين يخطط لها، غايتها سلب الأرض من الفلسطينيين وحقوقهم. كذلك، تدخل هنا جميع "قوانين الولاء" العنصرية "المخصصة" لجماهيرنا العربية الفلسطينية، والتي تتعارض مع مفهوم وجوهر حقوق الانسان الأساس.. لذلك فإن الموقف يقتضي التصدي بقوة لمسعى هذه الحكومة اليمينية، فليس ما يشغلها منطق فصل السلطات ولا الصدارة البرلمانية في التشريع، بل تعميق الهيمنة الاحتلالية والاستيطانية والقومجية والفاشية!
