عبد الناصر مقاتلًا وزعيمًا

single

عبد الناصر بين جماهير الاسكندرية يوم محاولة اغتياله


فيما يلي بعض النماذج للقرارات العسكرية والاستراتيجية التي اتخذها هذا الزعيم عندما كان رئيسًا للجمهورية، وهو الذي لا تلين له قناة ساعة الخطر. ففي مساء 26 تشرين الاول 1954 كان عبد الناصر يخطب امام جماهير الاسكندرية في ساحة المنشية، احتفالا بتوقيع معاهدة جلاء القوات البريطانية عن مصر. وفي لحظة من اللحظات قام المدعو محمود عبد اللطيف، احد افراد التنظيم السري للإخوان المسلمين، بمحاولة لاغتياله حين اطلق نحو المنصة ثماني رصاصات اخطأت الزعيم. وهنا ساد الهرج والمرج بين الجماهير الغاضبة، إلا ان عبد الناصر لم يغادر المنصة، وهو الامر الطبيعي في مثل هذه الحالات. وانطلق كالمارد مواصلًا حديثه وبصوت متهدج قوي قائلًا: "ليبقَ كل في مكانه"! وكرّر هذه العبارة عدة مرات، وأضاف: "انني لا اخاف الموت، وإذا قتلوا جمال عبد الناصر فكلكم جمال عبد الناصر".
ومثال آخر على شجاعة الرجل وموقفه الصائب، حين اتخذ قرار تأميم شركة قناة السويس، وهو يعلم ان ذلك سيجر بريطانيا وفرنسا للهجوم على مصر عسكريًا. وقد استعد لهذه اللحظة، وفي مساء 31/10/1956، وبعد يومين من بدء هجوم اسرائيل على سيناء، وجّهت بريطانيا وفرنسا انذارًا لعبد الناصر بان تبتعد قواته مسافة (10) كلم عن قناة السويس، لأنهما اعدّا العدة لاحتلال مدن القناة ابتداءً من بورسعيد. وبكل رباطة جأش، اتخذ القائد قراره التاريخي برفض الانذار، وتوجّه الى جامع الازهر والقى فيه خطابه الشهير، الذي قال فيه: "لن نساوم ولن نستسلم.. سأقاتل معكم ضد اي غزو، وكلنا سيقاتل". وقام بتوزيع السلاح على مواطني بورسعيد ومدن القناة الاخرى، لتشكل المقاومة الشعبية مع الجيش والحرس الوطني. وأثبتت هذه المقاومة جدارتها في ملحمة بورسعيد الخالدة، حيث كانوا يقنصون الجنود البريطانيين الهابطين بالمظلات قبل ان يصلوا الى الأرض. وفي النهاية انتصر عبد الناصر سياسيًا، والى حد كبير عسكريًا، بعد اسبوع من الغزو في العدوان الذي عرف "بالعدوان الثلاثي"، حيث توقف الغزاة بعد الانذار السوفييتي الشهير بضرب كل من لندن وباريس بالصواريخ البالستية اذا لم يتوقف العدوان. ورحل آخر جندي من جنود العدوان قبل نهاية عام 1956، ليتوج عبد الناصر كبطل قومي واحد ابطال التحرر الوطني. وكان لانتصار عبد الناصر في معركة السويس تأثير كبير على حركات التحرر الوطني في العالم، فالثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو وتشي جيفارا استلهمت الكثير من صمود بورسعيد وانتصار مصر. كما ان شعوب القارة السمراء اخذت تسير على خطى عبد الناصر للحصول على حريتها واستقلالها.
وكان امرًا طبيعيًا ان تتفاعل شعوب الامة العربية مع عبد الناصر وهو يدير معركة السويس، فخرجت المظاهرات المناهضة للعدوان والمؤيدة لعبد الناصر، وقام الوطنيون السوريون بتدمير خط انابيب النفط التابع لشركة "تابلاين" البريطانية، العابرة في سوريا، لقطع النفط عن بريطانيا وفرنسا. وأصبح جمال عبد الناصر زعيمًا حقيقيًا للعرب من محيطهم الى خليجهم بلا منازع، والتفّ حوله الشباب العربي في كل بلد عربي. كما ان احرار العالم، والشعوب المكافحة في سبيل حريتها، اخذت تتطلع الى عبد الناصر كزعيم لحركة التحرر الوطني في العالم، خاصة وان مصر اخذت دورًا مهمًا في القيادة بعد مشاركة عبد الناصر عام 1955 في مؤتمر باندونج، الذي عقد في اندونيسيا، حيث كان هذا المؤتمر نواة لمجموعة عدم الانحياز، التي تشكلت بصورة رسمية في ايلول 1961، بعد اول مؤتمر لها في بلغراد، عاصمة يوغوسلافيا. وكان الزعماء تيتو ونهرو وعبد الناصر ابرز قادة وزعماء دول عدم الانحياز، التي كان لها دور بارز في انهاء الاستعمار ومقاومته في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية. وتوثقت العلاقات بين عبد الناصر والاتحاد السوفييتي، وأصبح هذا الزعيم احد عمالقة القرن العشرين، مثل تيتو وديغول ونهرو وغيرهم. وفي الساحة العربية اصبح عبد الناصر الزعيم الحقيقي للأمة العربية، واتجهت اليه انظار العرب اجمعين. وكانت سوريا اكثر الاقطار العربية قربًا من عبد الناصر، وراح شعبها وجيشها ينادي بالوحدة الاندماجية الفورية مع مصر. وقَبِل عبد الناصر، بعد الحاح السوريين، بهذه الوحدة التي جرى الاستفتاء عليها يوم 21 شباط 1958، وأصبحت سارية المفعول في اليوم التالي. وأصبح جمال عبد الناصر رئيسًا لدولة الوحدة التي سميت بـ"الجمهورية العربية المتحدة"، وسميت سوريا بالإقليم الشمالي، ومصر بالإقليم الجنوبي. والعلم السوري الحالي بنجمته هو نفس علم الجمهورية العربية المتحدة، التي ارادها عبد الناصر "جمهورية تحمي ولا تهدد، تصون ولا تبدد، تشد ازر الصديق وترد كيد العدو".
وكان امرًا طبيعيًا كذلك ان يقوم عبد الناصر بزيارة سوريا، ويقصد محافظاتها للقاء ابناء شعبه. ومن تلك الزيارات تلك الزيارة التاريخية التي قام بها عبد الناصر الى دير الزور عام 1960. ويصف تلك الزيارة المفكر القومي العروبي السوري ابن دير الزور، ابراهيم علوان، وهو مؤلف كتاب "مراحل مجهولة من حياة الرئيس جمال عبد الناصر". وكان علوان مقربًا من الزعيم، ويصف لنا اللحظات التي وصل فيها جمال عبد الناصر الى مطار دير الزور قائلًا: "يومها، وقبل ان تحط طائرته في مطار دير الزور، الذي يبعد عن المدينة (10) كلم، زحفت المدينة عن بكرة ابيها، بشبابها وشيبها وفتياتها وفتيانها وصبيانها وصغارها، وأحاطت بالمطار كما يحاط المعصم باليد. وما ان هبطت الطائرة في المطار حتى هجمت الجماهير على الطائرة لتتلقف بأذرعها الزعيم، رغم وجود سياج كثيف من الحرس. إلا ان الجماهير تخطت طوق الحراسة، وعندما ركب الرئيس سيارته المكشوفة قام اهالي دير الزور وحملوا السيارة على اكتافهم بوضع اعمدة خشبية تحتها، وحملوها مشيًا على الاقدام من المطار حتى الاستراحة التي اعدت له وللوفد المرافق. وكانت تلك الاستراحة في ساحة البريد الحالية، اذ قطعت المسافة في ساعتين والرئيس عبد الناصر محمول على اكتاف ابناء محافظة دير الزور.. انه منظر مهيب، وقد ازداد حماسًا حين وقف عبد الناصر وارتجل كلمة في ابناء دير الزور، ومما قاله: "ان تحدينا للاستعمار هو بهذه الجماهير المؤمنة بعروبتها وقوميتها وبقدراتها". وبعد ذلك توجه عبد الناصر الى حلب، وكان استقبال الشهباء له لا يقل روعة وحماسة عن استقباله في دير الزور. وهناك ايضا حملوا سيارته على الأكتاف، وعندما نام ليلته في حلب استضافته احدى العائلات الحلبية في قصرها. ولم ينم اهالي البيت على الاطلاق، وظلوا يراقبون الجناح الذي نزل به عبد الناصر، حيث كان مسؤولًا عن حراسته في تلك الليلة ضابط في الجيش السوري اسمه مصطفى طلاس، الذي اصبح فيما بعد وزيرًا للدفاع. ويتذكر اصحاب القصر الذي نزل به عبد الناصر ان الرجل قام قبل طلوع الفجر بساعتين بقراءة القرآن بصوت متهدج، وظل كذلك حتى أذان الفجر.
ولان عبد الناصر زعيم تاريخي، واحد ابرز عمالقة القرن العشرين، فقد كان اكثر شخصية استأثرت بها المكتبة العالمية، فقد كتب عن عبد الناصر اربعة آلاف كتاب، بين مؤيد ومعارض. اضافة الى آلاف المقالات التي تصدرت الصحف والمجلات. فسلامًا عليك يا عبد الناصر، فنحن بحاجة الى روحك اليوم اكثر من اي وقت..!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

في صقل شخصية الطفل

featured

عدوان همجي على جامعة وجامعيين

featured

تجنيد، تَجَنُّد، تَطّوّع = هدم بيوت

featured

كيف يمكن للكاتبة تغيير الواقع الكارثي المذل

featured

هل يخطط الحراك الامريكي – الاسرائيلي – العربي النشط لتضميد جراح النكبة الفلسطينية؟

featured

دُرَّة عِلميَّــة استثنائيّــة

featured

تحية جليلية للنائب عودة وللرفيق بركة ورفاقهما.. ولعنة علنية لنتن ياهو وليبرمان وزمرتهما

featured

الامة العربية اليوم