أسْلَمة وَقَوْمَجَة لجنة المتابعة

single

يوم الأرض لجماهيرنا كلها!

 

لقد بلغ السيل الزبى، وآن الأوان أن تستخلص الجماهير العربية في هذه البلاد العبر لتدرك مصالحها وتميِّز الغثّْ من السمين، خصوصًا وأن المتسلِّقين أو الانتهازيين أو الوطنجيين، وفي مقدِّمتهم من يقود حركات الإسلام السياسي، الذين يجدون في نتائج الحراك السياسي والاجتماعي في ظل ما يسمّى بالربيع العربي مصدر قوة لهم في هذه الأيام، ويحاولون فرض هيمنتهم وتسلّطهم هنا ويجدون بالمناسبات الوطنية فرصة ومطيّة للركوب على الموجة لتفتيت وحدة الجماهير وإعادة مجتمعنا إلى عصور التخلف والرجعية التي أكل عليها الدهر وشرب.

  • شيخ إيه اللي انت جايْ تقول عليه


عندما كنت أشارك في المسيرات والمظاهرات في أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تحت غطاء لجنة الدفاع عن الأراضي أو لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية، أو لجنة المتابعة فيما بعد، كان لهذه النشاطات لون وطعم كفاحي متميِّز آخر، لأنها كانت تعكس إلى حدّ كبير وحدة المواطنين العرب في هذه البلاد، وكانت محاولات بعض المزايدين والمتحجِّرين اجتماعيًا ودينيًا مجرّد زوبعة في فنجان سرعان ما تزول وتُنسى بعد كل مناسبة. وهنا أود أن اقتبس كلمات القائد الشيوعي الرمز توفيق زياد في إحدى المناسبات عندما قال: "أغاظهم شعار (وحدة وحدة وطنية إسلام دروز ومسيحية)، أغاظهم شعار (وحدة وحدة وطنية الشب بحد الصبية)، ونشروا إعلانا يطالبون فيه أن تسير النساء في مجموعة منفصلة عن المظاهرة، ولكن هذا الإعلان كان معناه أنهم يريدون التحكُّم بنسائنا نحن، لأن نساءهم هم يقبعن في البيوت، وبهذا هم يريدون أن يقرروا لنسائنا ما يلبسن وأين وكيف يتظاهرن، يا عيب الشوم، يريدون لنساء شعبنا كما البندورة والخيار مُحْكم عليهن داخل قوارير... لا لا.. فشروا، فإن من لا يثق بنسائه فقط يمكنه أن يتركهن قابعات في البيوت، نحن لنا كل الثقة بنسائنا المحصّنات، العاملات، المدرِّسات، ربات البيوت، المتظاهرات والمشاركات في المعارك النضالية. نريد أن نربي أبناءنا وشبابنا على الحرية والحضارة والتقدم وليس على الرجعية والتخلف... هم يمنعون النساء المشاركة في المظاهرات خوفا من أن تلامس يد فتاة، يدَ شاب إلى جانبها، أي لا يا شيخْ!... يا عيب الشوم، في نهاية القرن العشرين يأتوننا بفتاوى التخلّف الظلامية هذه، كل واحد يَلتَحي ويعمل شيخ يصبح بإمكانه إصدار الفتاوى، شيخ ايه اللي انت جايْ تقول عليه! إن منصب شيخ هو رتبة علمية وليس مشيخة فارغة". 
لقد سئم مجتمعنا طيلة 35 عامًا تقريبًا مضت الحركات القومجية المزايدة، كان آخرها من ادّعى الناصرية وكان بالأمس القريب صديق البعث السوري وانتهى بهم الحال في خدمة مصالح أمريكا وأمراء النفط وإسرائيل. طيلة  هذه السنوات تدفَّقت عناصر هذه الحركات إلى المسيرات والمهرجانات مطلقين الشعارات البراقة الطنانة المنفوخة، فارغة المضمون منها: "خيبر خيبر يا يهود.. جيش محمد سوف يعود"، "بطّل ينفع إلا المدفع"، "علمنا علم فلسطين واجب علينا نرفعه... علمهم علم إسرائيل واجب علينا ندعسُه". وإذا سأل القائد الذي يقف من وراء هذه الشعارات، هل تصلح هذه الهتافات لنضال الجماهير العربية في إسرائيل وهل تتناسب مع خصوصية وجودنا في هذه البلاد؟ نعرف تمامًا الإجابات العنترية المفلسة لذلك القائد والتي لا تحمل أي رصيد.

  • مصير لجنة المتابعة


هذه كانت كلمات القائد توفيق زياد قبل أكثر من 25 عامًا ولا تزال جماهيرنا تواجه نفس السيناريو، بل أسوأ منه بكثير، فكلما عدتُ من مسيرة أو مظاهرة تنظّمها لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية تزداد قناعتي أن على الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة التي أقامت بأيديها لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية كأداة وحدوية في المعارك الكفاحية، أن تجد مخرجا لمستقبل هذه المؤسسة التي باتت مأوى للمتسلّقين ذوي المصالح المتنوِّعة، فإما أن تعمل على إلغائها، أو إعادة بنائها من خلال إجراء إصلاحات داخلية في تركيبتها ودستورها، أولها، الإعلان أنها مؤسسة علمانية تراعي خصوصية تركيبة المواطنين العرب الطائفية والقومية، فقد كتب المفكر السوري صادق جلال العظم عن العلمانية وقال: "العلمانية هي من ضروريات الديمقراطية، ميزتها أنها ذات طاقة استيعابية، بقدرتها على استيعاب الإثنيات والمذاهب والأقليات، لكن لتكون ديمقراطية مواطنين وليس ديمقراطية جماعات أو مذاهب أو طوائف (على الطريقة اللبنانية مثلاً)، لأن رابطة المواطنة هي التي يجب أن تحتل القيمة العليا".
ولتحليل ما يجري داخل لجنة المتابعة، عند اتخاذ أي قرار سياسي بالمناسبات الوطنية يُردَّد طوال الوقت شعار "من أجل وحدة الجماهير العربية" يجب منع رفع الأعلام الحزبية في مهرجان يوم الأرض، "من أجل وحدة الجماهير العربية" يجب عدم إعطاء كلمة لأحد اليهود الديمقراطيين في مهرجان خطابي، يجب كذا ويجب كذا. كل هذه الاقتراحات الانبطاحية تأتي تحت شعار "الوحدة". وهنا يطرح السؤال، أليس من المفروض التعبير عن الوحدة الوطنية، أيضا بوحدة الهتافات في المظاهرات والنشاطات الاحتجاجية؟ فهل أصبح شعار (وحدة وحدة وطنية اسلام دروز ومسيحية) مثلا، شعارًا مُخجلاً أيها الوطنيون؟!
تحت شعار الوحدة، تقرر لجنة المتابعة مثلا، منع رفع الأعلام الحزبية في المظاهرات، وكأن وحدة الصف تكمن فقط في ترتيب الصفّ الأول من المظاهرة لابتسامات قيادات الأحزاب والحركات، لكاميرات الصحافيين المساكين الذين يحاولون عبثًا التقاط صورة شاملة لقيادة المظاهرة بسبب طول طابور القيادات المتدافعة لتحتل مقدِّمة المسيرة. ما المانع أن تختلط ألوان الأعلام الحزبية والدينية كتعبير عن وحدة أطياف المجتمع والتعددية السياسية فيه؟ وما ذنب الأحزاب الفاعلة في الشارع كالحزب الشيوعي والجبهة مثلا، إذا كانت مشاركة بعض الحركات أو الأحزاب في المظاهرات والنشاطات الوطنية مزاجية وضعيفة، لتأتي هذه الأحزاب وهذه الحركات وتعارض مبدأ رفع الأعلام لكي لا يفضح غيابها عن الساحة؟

  • مع مأسسة الدين يبدأ التخريب


وبما أننا أحيينا قبل أيام ذكرى يوم الأرض الخالد، لا بد لي أن اقتبس ما قاله رئيس لجنة الدفاع عن الأراضي السابق وأحد مؤسسيها الراحل القس شحادة شحادة في لقاء صحفي أجريته معه في صحيفة "الحقيقة"، حيث قال لي: "عندما يضع الانسان نصب عينيه مصلحته الخاصة أولا، على حساب الآخرين تبدأ مشكلة التسلط، وهناك مثل إنجليزي يقول: السلطة مَفْسَدة، والسلطة المُطلقة مَفْسَدة مُطلقة، ومن هنا يبدأ الانسان بالإنفصال عن أخيه الانسان، ويبدأ الصراع بين القوي والضعيف، وبين الغني والفقير، والغلبة هنا واضحة هي للغنيّ والمتسلّط. عندما تتم مأسسة الدين، يبدأ التخريب، لأن المأسسة هي سلطة، والحركات الدينية الأصولية من مختلف الأديان أصبحت اليوم ذات سلطة ونفوذ، وتلعب الدور المخرّب الذي يفرِّق ولا يجمِّع، ووضع كهذا للأسف يساهم في زرع بذور الفتنة الطائفية في المجتمعات المختلفة".

  • أسلمة نشاطاتنا الوطنية


بناءً على ما ذكر آنفًا، أود الدخول من باب، يحاول الكثيرون عدم الخوض به، كما يقولون (لحساسيته من الناحية الدينية) وبما أنه كما أسلفت عن أهمية الوحدة الوطنية على أساس احترام ومساواة جميع الشركاء تحت السقف الوطني، أريد هنا أن اتطرق إلى ما أسمّيه بأسلمة نشاطاتنا الوطنية وأنا هنا لا أقصد مهاجمة الدين الاسلامي أو انتزاع حقّ المتدينين المسلمين في أداء الشعائر والطقوس الدينية في المناسبات الوطنية. ولكي أوضح ما أقصد، أود أن أعطي مثلا يساقُ إلى هذا الموضوع بجوهره وأبعاده. قبل ثلاث أو أربع سنوات شاركتُ في مظاهرة للجماهير العربية انتهت بمهرجان ضخم في ساحة السوق في قرية عرابة، وجلس في الصف الأمامي لفيف من رجال الدين المسلمين والدروز والمسيحيين واليهود، ثم افتتح العريف المهرجان بدعوة أحد المشايخ لتلاوة آيات من القرآن الكريم. هذا المشهد يتكرر في كافة المهرجانات الوطنية، وفي الكثير من المناسبات الوطنية الأخرى يُطلب من الحضور قراءة سورة الفاتحة على أرواح الشهداء... نقاشي بهذا الصدد ليس ضد تلاوة القرآن أو قراءة الفاتحة فهذا أمر مشروع ولا لبس فيه، بل بسؤال لم يجرؤ أحد على طرحه إلى الآن وهو، أليس من حق المشاركين من باقي الطوائف أيضًا أن يؤدّوا شعائرهم الدينية على المنصة، كما حقّ ذلك للشيخ المسلم؟ وبرأيي إما أن يعامَل الجميع بمساواة تامة ويقدِّموا شعائرهم الدينية بالمناسبة المعينة كمنطلق وحدوي يعبّر عن النوايا الحسنة لدى جميع الأطراف، أو أن تلغى هذه الفقرة نهائيا من البرنامج عن الجميع، لأن وحدة الجماهير تبدأ من احترام الآخر، فالإنسان المتعصب الذي لا يرى سوى نفسه، هو ليس متدينا بنظري، حتى لو حفظ القرآن والإنجيل من الألف للياء.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الذراع التنفيذية لحكومة الاحتلال

featured

المصالحة ونضال الأسرى

featured

احذروا: فالسم في الدسم..!

featured

المرصد السوري لحقوق الانسان وفضائيتا الجزيرة والعربية من أكذب وأخبث وسائل الاعلام

featured

دولة إسرائيل تخطط لعملية ترانسفير أخرى لعرب النقب!

featured

دولة فلسطين للفلسطينيين

featured

اليوم ستزخ مرتين (بل ثلاثا.. ما الضرر؟!)

featured

التجارة التركية بالدم