*لسنا بحاجة الى "المكرمات"، لا من قطر ولا اي "مانح" آخر غير بريء. ويظل موقف الجبهة الرافض لذلك هو الموقف الصحيح والسليم، الذي يستحق تقدير واحترام كافة الوطنيين الشرفاء*
تردد مؤخرا حديث بأن مشيخة قطر مستعدة ان تساهم في "مشاريع" للجماهير الفلسطينية هنا في الداخل، وان تدخل هذه المساعدات عن طريق لجنة المتابعة العليا، وان غالبية مركبات هذه اللجنة قد قبلت بذلك، باستثناء الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.
ولست ادري تحديدا من الذي يقف وراء هذه الفكرة، وهل هي "مكرمة" قطرية سخية ام ان بعض هذه المركبات هي التي سعت، مباشرة او عن طريق وسطاء مقيمين في قطر او غير مقيمين فيها، من اجل الحصول على المال القطري.
الامور تبدو ولأول وهلة ان "الاشقاء" العرب معنيون بصمودنا وبقائنا على ارض آبائنا واجدادنا واحفادنا، وانهم يدركون اليوم اهمية هذا الصمود، وقد اصبح واجبا عليهم ان يتعاملوا معنا بما تمليه عليهم روح الاخوة التي تربطنا بهم. ومن باب السذاجة فلا احد يملك الا الاشادة والترحيب بمثل هذه العروض السخية، او على الاقل فانها ليست جريمة ان نتلقى الدعم من الاشقاء، او حتى من اي مصدر كان، طالما هذا يصب في مصلحة الجماهير العربية. ولكن اذا اردنا ان نكون اذكياء في الحد الادنى، او على الاقل نعي ما يجري من حولنا، اليس من واجبنا ان ندقق في الامور، وان ننظر بمنظار المسؤولية ان كان البعض منا صادقا فيما يسعى اليه؟! فالجماهير العربية ليست بازارا للعرض والطلب، وليست في سوق التجارة او اللعب باسمها، او القفز عليها من خلال تخديرها ودغدغة عواطفها، وايهامها بالخيرات والبركات التي ستجنيها، لا سيما واننا بحاجة الى اي دعم نتيجة الاجحاف الذي عانينا منه طيلة كل السنوات من قبل حكومات اسرائيل المتعاقبة.
ومن حقنا ان نتساءل لماذا يتم الان بالذات الحديث عن مساعدات قطرية، وما الغاية منها؟! قد يقول البعض إن قطر قدمت مساعدات سخية تقدّر بملايين الدولارات لاتحاد ابناء سخنين، وهي التي اقامت ستاد الدوحة في هذه المدينة. كما أعلن مؤخرا ان النائب احمد الطيبي "نجح" في تجنيد اموال (إماراتية) لاقامة قصر للثقافة في الطيبة. وهناك فرق شاسع بين ستاد الدوحة في سخنين. وقصر الطيبي الثقافي في الطيبي وبين ما يدور الحديث عنه الآن. فهذه "المشاريع" التي تمت او ستتم كانت في الاساس بجهود فردية او جهود جمعيات، ولم تكن الاطراف المستفيدة جهات رسمية تمثّل جماهيرنا العربية، او تتحدث باسمها. ويبقى في النهاية ان لكل طرف الحق في التصرف على هواه، وعلى ما تقتضيه مصلحته سواء الحزبية او الاجتماعية. وهناك العشرات من الجمعيات التابعة لبعض مركبات لجنة المتابعة تتواصل مع دول الخليج، ومنذ زمن بعيد وتحصل على "مكرمات" من هذه الدول تحت مسميات الجمعيات الخيرية. ولم نتدخل يوما في سلوك هذه الجماعات، لان لها الحق ان تتصرف على هواها وكيفما تشاء. وهذا البعض اشبعنا حديثا عن بناء المجتمع العصامي، مع ان الكل يعلم ان المجتمع العصامي يكون في الاساس معتمدا على قدراته الذاتية وابداعاته الخلاقة، وليس عن طريق استجداء المساعدات. وهي كثيرا ما كانت مفسدة لمجتمعنا اي مفسدة. وعلى كل حال فانا هنا لا اريد ان اطعن في حق الآخرين الاسترزاق باي وسيلة يريدونها، لان هذا ليس شأني ولن يكون.
*خطأ رئيس لجنة المتابعة*
اما ما يقال عن مساعدات قطرية للجنة المتابعة فمن حق كل مواطن ان يعرف الحقيقة، حتى تكتمل الصورة لديه بان قطر، هذه المحمية الامريكية، تقوم في السنوات الاخيرة بدور وظيفي محموم من خلال مال الغاز التابع لها، او من خلال "جزيرتها" باشعال الفتن والفوضى الهدّامة في اكثر من بلد عربي. فالمال القطري اسهم في تدمير سوريا، وفي اشعال الفتن الطائفية والمذهبية في العراق، وكان هذا المال رأس الحربة في تدمير ليبيا التي تحترق الآن، وفي استدعاء حلف الناتو لتغيير نظام الحكم في ليبيا. وهذا المال القطري لعب ولا يزال في اثارة الفتن في تونس ومصر. وهذا المال القطري، المتحالف مع العثمانيين الجدد في تركيا، يقف وراء "داعش" التي راح الكل اليوم يقرّون بخطرها، ليس على المنطقة العربية وانما على العالم اجمع.
حين يتم الحديث عن مال قطري للجنة المتابعة العليا فهذا المال ليس بريئا، ولا هو من اجل خدمة مشاريع لجماهيرنا العربية. ففي هذا "الدسم" يكمن السم الزعاف. وامر طبيعي ان ترحب به وتسعى اليه بعض مركبات لجنة المتابعة، لانها ترى في نفسها امتدادا لهذا الاخطبوط، ويصب في مصلحتها الفئوية، وتريده غطاء ودعما لما تفكر به وتسعى اليه من اجل الامساك في النهاية بقرار الجماهير العربية على الاقل من الناحية الشكلية والاسمية، حتى تجر جماهيرنا الى وجهتها المجهولة بالنسبة لهذه الجماهير. ورئيس لجنة المتابعة، الذي يلعب في هذا المربع، متجانس تماما مع اصحاب هذه الطروحات، ظنا منه انهم سيبقون عليه على "رأس" الهرم، مستفيدا من مراكز القوى، وهو خطأ قاتل.
ان لجنة المتابعة هذه عرفناها سابقا من خلال ادائها التعيس في الكثير من القضايا، وجدير بنا اليوم ان نذكّر جماهيرنا بهذه اللجنة التي زارت الشهيد معمر القذافي قبل اربع سنوات. وهناك انبرى خطباؤها في كيل المديح للعقيد، وهم الذين خاطبوه قائلين له: "يا ملك ملوك افريقيا"، لقد ارادوا وقتها استجداء نظام معمر القذافي ليمنحهم "المكرمات" لهم ولجمعياتهم، وهم الذين انقلبوا عليه بعد اسقاط حكمه من قبل عدوان الناتو. ومن ادراكنا التام بان ما يتم تداوله حول دعم قطري غير بريء، ويحمل في طياته الكثير من القيل والقال، فانني اقولها بكل وضوح: لسنا بحاجة الى مثل هذه "المكرمات"، لا من قطر ولا اي "مانح" آخر غير بريء.
ويظل موقف الجبهة الديمقراطية الرافض لذلك هو الموقف الصحيح والسليم، ويستحق هذا الموقف كل تقدير واحترام كافة الوطنيين الشرفاء. وهو موقف مشرّف ومسؤول، ويجب دعمه. وعلى لجنة المتابعة اذا ارادت الاستمرار ان تنآى بنفسها عن سياسة المحاور، وان تكون مهمتها الاساسية خدمة الجماهير العربية، وان تنتزع حقوق هذه الجماهير من براثن التمييز والعنصرية. عندها ستجد هذه الجماهير معها، لانها صاحبة كل انجاز تحقق، منذ يوم الارض الخالد وحتى الآن. اما الرهانات الخاسرة فهي مغامرة ومقامرة بحق الجماهير، وطعنة لها. وليس هناك من يقف على الابواب لتقديم الدعم والمساعدة لهذه الجماهير "كرمال عيونها السوداء". ويجب ان نذكر دائما ان صمود جماهيرنا، منذ ايام الحكم العسكري وحتى اليوم، يعتبر مدرسة ينبغي ان يقتدي بها الآخرون، فنحن لم نكن في يوم من الايام ايتاما على مآدب اللئام...!
